منتدي لكل المسلمين و من يريد العلم
 
المذكرات التخرجالرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 التطور التاريخي للضمان الإجتماعي ومنازعاته

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
heddadji
Admin
avatar

عدد المساهمات : 25
تاريخ التسجيل : 28/04/2008
العمر : 40

مُساهمةموضوع: التطور التاريخي للضمان الإجتماعي ومنازعاته    الجمعة 17 أغسطس 2012, 19:28



لقد عرف نظام التأمينات الإجتماعية عدة تطورات وتغيرات وذلك بأختلاف المراحل التي مدت بها الدول وكذا ازدياد حاجة الإنسان للحماية والضمان سواء كان ذلك من المخاطر التي يتعرض لها أثناء أداء عمله أو المخاطر المتصلة بها غير المباشرة والتأمين الذي يحتاجه الأنسان هو الذي يستهدف في الواقع تقديم الضمان والأمان للأشخاص ضد المخاطر التي لا يمكن توقعها ولا معرفة درجة خطورتها، والأضرار المترتبة عن ذلك ( )ولتفادي هذه المخاطر فقد يلجأ الإنسان عبر التاريخ الطويل والتطورات التي عرفتها الدول المختلفة، في المجالين الإقتصادي والصناعي خاصة إلىاعتماد أنظمة مختلفة لسلامته الإجتماعيةوضمان عيشه ومصدر رزقه وذلك بتعويض ما يصيبه في شخصه من خطر قد يؤدي إلى الإنقراض أوالحد من موارده وبالتالي التأثير على وضعه الاجتماعي ، الإختلاف المتباين في الأنظمة المعتمدة في مجال التأمينات الإجتماعية تمليه الحاجة الملحة للفرد للحماية اللازمة والضمان وإنطلاقا من كون الفرد (العامل او الموظف ) قد يتعرض لأي حادث أثناء مهمته قد يودي بحياته أو ينقص من مردود فيه فإن دور الصناديق المختصة في الضمان وتعويض النقص الذي أصابه بات جد هام مما يؤدي في بعض الأحيان إلا حدوث خلافات بين الشخص والهيئات المختصة بالضمان والتأمين الإجتماعي ، والتي تختلف بإختلاف مجالها لذى فإننا سوف نعالج في هذا الفصل التطور التاريخي للضمان الإجتماعي (المبحث الأول ) وكذا مختلف الأنظمة (المبحث الثاني) لنتطرق إلى أنواع المنازعات الناجمة عنه (المبحث الثالث).



المبحث الأول : امفهوم الضمان الاجتماعي وتطوره التاريخي
إن الشعور بالأمان وبالضمان وافق الإنسان عبر العصور المختلفة ، وتطورت فكرة التأمين بتطور حياة الأنسان وظهور مخاطر جديدة تهدده في حياته وماله، وكذا تزايد المعملات وظهور الآلا ت والمعدات الجديدة في ميدان العمل ، وكذا إزدياد حاجة الناس للحصول على أكبر قدر من الحماية الإجتماعية ، ولعل هذا التطور راجع إلى اختلاف النظر للمخاطر الإجتماعية التي تهدد الإنسان وعدم تحديد مفهوم واحد وموحد لفكرة الخطر الإجتماعي وذلك رغم السمات المشتركة والواضحة للمخاطر الإجتماعية وكذا نتائجها التي غالبا ما تؤثر في قدرة الإنسان المعيشية ووضعه الإجتماعي .
وانطلاقا من ذلك فأن الضمان الإجتماعي عرف تطورات تاريخية تبعا لإتساع أو ضيق فكرة المخاطر الإجتماعية وأول بوادره ظهرت في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر (19) ، ولم يظهر بشكله الحديث إلا في بداية القرن العشرين (20) وذلك اثر الأزمة الإقتصادية لسنة1929 ولم يبدأ في الإنتشار إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتجلت الحاجة أكثر مما مضى إلى وضع نظام حماية وضمان اجتماعيين كفيل بمواجهة كل ما من شأنه المساس بالفرد في كيانه أو ماله وكذا ضمان استمرارية نشاطه والحفاظ على حقوقه وعائلته، ويمكن تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين ، نتناول في الأول مفهوم الظمان الإجتماعي وفي الثاني التطور التاريخي له.
المطلب الأول : مفهوم الضمان الأجتماعي
الضمان الإجتماعي يرتبط بالأخطار التي يتعرض لها الفرد والتي يسعى إلى البحث عن الوسائل التي تكفل له مواجهتها والمخاطر التي تتعرض لها الفرد في المجتمع كثير ومتنوعة المصادر ، فهناك المخاطر التي تنشأ عن الظواهر الطبيعية كالزلازل والبراكين والفيضانات ، وهناك مخاطر تنشأ عن الحياة في جماعة كخطر الحرب والخطر السياسي الناتج عن تغيير النظام السياسي والخطر التشريعي الذي يتمثل في القانون الذي يفرض قيودا لم تكن موجودة من قبل في نشاط إقتصادي معين، وينتمي أيضا إلى هذه الطائفةمن المخاطر ، والخطر النقدي الذي يتمثل في انخفاض قيمة العملة والخطر الإداري الناشئ عن سوء التنظيم وعدم فاعليه الجهاز الأداري، وهناك مخاطر يتعرض لها الإنسان وهي مرتبطة بنظام الأسرة وأهما تلك المتمثلة في زيادة الأعباء العائلية والمؤدية لأنخفاض مستوى معيشية العائلة والمرض والعجز الذي يصيب رب العائلة ويحرمهم من مصدر رزقهم. وهناك مخاطر ترجع لأسباب فيزويولوجية كالشيخوخة والمرض والوفاة ، وهناك أخيرا المخاطر المهنية والتي ترتبط بممارسة مهنة معينة كخطر البطالة وعدم كفاية الأجر وإصابات العمل أو الإصابة بمرض من أمراض المهنة . لذلك وجب محاولة معرفة الخطر الإجتماعي (الفرع الأول ) لتظهر أهمية التأمين عليه (الفرع الثاني ).
الفرع الأول : تعريف الخطر الإجتماعي
اختلف الفقهاء في تعريف الخطر الإجتماعي وذلك باختلاف الزاوية التي ينظرون من خلالها للخطر الإجتماعي، فهناك من يعرفه بالنظر إلا سببه وهناك من يعرفه بالنظر إلى النتائج والأثار، غير أن هذه التعاريف لم تسلم من الإنتقادات لعدم شمولها على جميع عناصر الخطر الإجتماعي.
أولا : التعريف بالنظر لأسبابه :
يرى أصحاب هذا الرأي الفقهي بأن الخطر الإجتماعي وهو الخطر الناتج عن الحياة في المجتمع فالمخاطر الإجتماعية وفقا لهذا الإتجاه هي تلك المخاطر الوثيقة الإرتباط بالحياة الإجتماعية وقد انتقد هذا التعريف على أساس أنه تعريف موسع ولا يتفق مع ما جرت عليه النظم الوضعية للتأمين الإجتماعي ، فتحديد المخاطر الإجتماعية بأنها تلك التي تجد سببها في جماعة يدخل فيها من المخاطر ما لم تجر عادة هذه النظم على تغطيتها كأخطار الحروب وخطر المرور والأخطار السياسية. وأخذ هذا التعريف من ناحية أخرى أنه تعريف مضيق يؤدي إلى أن يخرج من نطاق التأمينات الإجتماعية تلك الأخطار التي لا علاقة لها بالحياة الإجتماعية، ومع ذلك تغطيتها تظم التأمينات الاجتماعية كأخطار الشيخوخة والمرض والوفاة
ثانيا التعريف بالنظر لأثره ونتائجه :
يرى هذا الرأي الفقهي أن الخطر الإجتماعي هو النظر الذي يأثر في المركز الإقتصادي للفرد الذي يتعرض له سواء عن طريق انقاص الدخل أو انقطاعه لأسباب فيوزيولوجية كالمرض والعجز والشيخوخة والوفاة ، أو لأسباب اقتصادية كالبطالة أو عن طريق زيادة الأعباء دون الإنقاص من الدخل كما في حالة نفقات العلاج والأعباء العائلية المتزايدة. وهذا التعريف يتضمن العديد من المزيا إذ سيمح بإتساع سياسة التأمين الإجتماعي لتشمل كافة المخاطر التي يمكن أن تؤثر في الأمن الإقتصادي على أساس المحافضة على حد أدنى من المستوى الإقتصادي اللائق لكل فرد من أفراد المجتمع بغض النظر عن الأسباب التي تؤدي إلى الإنقاص من هذا المستوى ، فاذا كان الهدف الذي تسعى إليه نظم التأمين الإجتماعي هو حماية الإنسان بهذا الهدف يتم تحقيقه أحيانا عن طريق الوقاية وأحينا عن طريق العلاج والتعويض.
ورغم هذه المزايا فإن تعريف الخطر الإجتماعي بالنظر إلى آثاره لم يسلم من النقد فقد أخذ البعض على هذا التعريف أنه يؤدي ألى توسيع دائرة تطبيق نظام التأمينات الإجتماعية بشكل يفقده ذاتيته ويجعله مختلطا بالسياسة الأجتماعية للدولة. إنتقد البعض هذا التعريف على أساس أن الأخطار التي ترتب أثار اقتصادية لم تجر نظم التأمينات الإجتماعية على تغطيتها جميعا كخطر الحريق وخطر الحرب وخطر التغيرات السياسية كما يعرف الخطر الإجتماعي بأنه كل خطر أو حدث يمنع العامل من أداء عمله بصفة مؤقتة أو نهائية وبذلك يدخل في هذاالمفهوم المرض والعجز والشيخوخة والوفاة والمرض المهني ، وبصفة عامة كل ماله علاقته بالعمل ويمكن أن يعرقل الحياة المهنية للعامل.
الفرع الثاني : أهمية الضمان الإجتماعي واسسه:
1- أهميته:
يعتبر الضمان الإجتماعي تأمين فهو بذلك يهدف إلى معالجة ومواجهة ما قد يحل بالفرد من مصائب تعيق حياته وذلك بالإنقاص من موارده، وانطلاقا من ذلك فإن اهمية التأمينات الأجتماعية هي نفسها أهمية التأمين وتظهر من ثلاث زويا وذلك من خلال الوضائف التي يؤديها التأمين.
أولا : الوظيفة الإجتماعية :
اذ يهدف التامين الى التعاون بين مجموعة من الاشخاص لضمان خطر معين، فيقوم كل منهم بدفع قسط او إشتراك لتغطية الخسائر التى يمكن ان يتعرض لها اي احد منهم، وتتحقق هذه الصور بالخصوص في التامين التبادلي . وتتجلى الوظيفة الإجتماعية للتأمين بصفة خاصة في تشريعات العمل والتأمينات الإجتماعية ومايترتب عن ذلك من انشاء مؤسسات للتعويض عن الأمراض والحوادث المهنية والشيخوخة والبطالة، وغيرها من الصناديق التي تنشأ لهذا الغرض، فالصندوق هنا يحل محل الأشخاص الأخرين (المؤمنين لهم ) في مساعدة الفرد الذي يصببه أي خطر، وذلك عن طريق دفع التعويضات اللازمة له والكفيلة لجبر الضرر الذي أصابه، فدور التأمين هنا يكتسي الصيغة التضاننية الإجتماعية.
ثانيا: الوظيفة النفسية:
و تتمثل في توفير الأمان وازالة الخوف من بال المؤمن لهم من أخطار الصدفة ، ويصبح بهذه العملية يشعر بنوع من الأمان والإرتياح عل مستقبله ومستقبل نشاطاته ، والأمر والأمر الذي يجعله يتحلى بروح من المبادرة الخلاقة ويحذوها في ذلك الأمان والإطمئنان بفضل عملية التأمين لكل الصدف والمفجأت اليومية كعدم قدرته على كسب الرزق لأسباب مختلفة كالبطالة واصابات العمل والحوادث بمختلف أشكالها والمخاطر الناجمة عن الكوارث الصناعية والنشطات الصناعية والتجارية فالشخص يحس بالأمان عند تأديته عمله وذلك بعلمه بأنه قد يحصل على تعويض أي حادث يحل به فيرتاح نفسيا لوضعه.
ثالثا : الوظيفة الإقتصادية :
بعد التأمين احدى الوسائل الهامة للإدخار وذلك بواسطة تجميع رؤوس الأموال المكونة من أقساط واشتراكات المستأمنين التي تظل في الواقع رصيدا لتغطية المخاطر إلا أن هذا الرصيد غاليا ما يوظف في عملية استثمارية وتجارية لأن التجربة أثبتت بأن المخاطر لا تحقق في كل الحالات حتى وان تم ذلك وهذا لا يكون في وقت واحد وتزداد الأهمية الإقتصادية في مجال المعاملات الدولية حيث يشكل التأمين عاملا مشجعا لتكثيف المبادلات بين الشعوب إذ يسمح للمستثمرين الأجانب والموردين بعمليات عابرة للحدود ، بالعمل دون خوف من الأثار السيئة التي تسببها المخاطر التجارية والسياسية وكذا الطبيعية ، فالعامل حتى وإن كان في هذه الحالة يشتغل لدى شخص أخر (تاجر ) فإن اجبارية التصريح به والتأمين عليه تجعله مظمون ومطمئن تجاه وضعيته وخاصة مصدر رزقه ورزق عائلته.
كما هو الحال كذلك بالنسبة لرب العمل الذي لا يتحمل تعويض الخسائر والأضرار التي قد تصيب العمال من حسابه الخاص إذ هو صرح لهم بصفة قانونية ودفع إشتراكاتهم ، وبالإضافة إلى هذه الوظائف فأن فائدة التأمين قد تتعدى المؤمن له فينتفع بها الغير وبصفة خاصة خلفه ، وذلك في حالة الوفاة أثناء تأدية العمل .
2- أسسه :
اختلف الفقه حول الأساسي الذي يقوم أو يستند إليه الضمان الإجتماعي وتولد عن ذلك الإختلاف الفقهي بروز عدة نظريات فقهية كمحاولة لتحديد هذا الأساس ومن أبرز هذه النظريات :
أولا : النظرية التقنية :
يرى أنصار هذه النظرية أن التأمين يجد أساسه في عملية التعاون التي يقوم بها المؤمن والمتمثلة في جميع المخاطر التي يتعرض لها المستأمنين واجراء مقاصة بينهم وفقا لقانون الإحصاء ، وإنقسم انصار هذه النظرية إلى فريقين :
الفريق الأول : يرى هذا الفريق أن التأمين في حقيقة أمره ماهو إلا عملية تعاون بين مجوعة من الأشخاص يواجههم نفس الخطر ، فهم وحدهم الذين تقع على عاتقهم مسؤولية تغطية نتائج المخاطر التي قد تحدث لأي منهم ، وفي رأيهم يقتصر دور المؤمن على ادارة وتنظيم التعاون بين المستأمنين بطرق فنية يمكنه من تحديد المبلغ المالي الذي يدفعه كل واحد منهم في شكل قسط أو اشتراك بصورة تتناسب مع درجة احتمال وقوع الخطر من جهة ، ومدى جسامته من جهة ثانية ولا يقدم المؤمن أي مبلغ مالي من حسابه الخاص (ماله ) ، فالتأمين إذا هو عملية تعاون منظم بطريق متبادل بين الناس ، وفقا لقواعد فنية تساعد على ابعاد احتمالات الصدفة ، البحتة في حدوث المخاطر .
الفريق الثاني : يرى أنصار هذا الفريق أن التأمين يستند على عملية فنية إذا كانت هذه العملية تتمثل في تجميع المخاطر واجراء المقاصة ، فإن ذلك لا يمكن أن يتم إلا ضمن مشروع منظم يعمل بوسائل فنية ويلتنزم هذا المشروع بتغطية المخاطر التي يتعرض إليها المؤمن لهم.
ثانيا : النظرية اإقتصادية :
مفاد هذه النظرية أن أساس التأمين أو الضمان الإجتماعي يقوم بالنظر الى الجوانب الإقتصادية للتأمين :
أ- معيار الحاجة : يقوم التأمين على فكرة الحاجة حيث أن أي نوع من التأسيس يهدف إلى الحماية والضمان من خاطر معين وأن التأمين عن الأضرار والتأمين من خطر الحريق أو السرقة أو , التلف ، يجد مصدره الأساسي في حاجة المؤمن له إلى اجراء نوع من الوقاية تضمن له الحماية والأمان عند وقوع المخاطر، ومن الملاحظ أن هذه الحاجة لا تتأكد في كل أنواع التأمين فالتأمين على الحياة لصالح شخص أخر لا تتحقق فيه الحاجة للحماية والأمان للمؤمن له، وبذلك يمكن التفكير في تبني معيار أخر والذي يظهر أنه أقرب إلى هذه العملية وهو معيار المصلحة إذ تعد هي الدافع الأساسي للقيام بعملية التأمين.
ب- معيار الضمان : إن الضمان يكون أفضل من غيره عن المعايير الأخرى كأساس للتأمين باعتباره يمثل القاسم المشترك لكافة أنواع التأمين فالتأمين على الأشياء مثلا يحقق الضمان لقيمة الأشياء المؤمن عليها ، والتأمين على الحياة يحقق الضمان للغير وعدم تدهور المركز المالي للمستفيدين، ونفس الشيء في التأمين على المرض أو الشيخوخة واصابات حوادث المرور، فأن التأمين يحقق ضمان عدم اختلال التوازن الإقتصادي للمؤمن له ، ولأفراد أسرته وبهذا فإن فكرة الضمان في الواقع نجدهافي مختلف أنواع التأمين.
ثالثا : النظرية القانونية : مفادها أن الضمان الإجتماعي يجد اساسه في عناصر التأمين ذاتها وذلك كما يلي :
أ- معيار الضرر : أي أن التأمين مهما كان نوعه فإنه يهدف أساسا إلى اصلاح الضرر ، وذلك فأن فكرة الضرر توجد في كافة أنواع التأمين سواء تأمين الأضرار أو تأمين الأشخاص، فيتمثل الضرر في التأمين على الأشياء في قيمة الشيئ المؤمن عليه ، ويتمثل الضرر في التأمين ضد الإصابات والحوادث والأمراض المهنية والشيخوخة في الخسارة أو ما يفوت المؤمن له من كسب نتيجة حلول الكارثة (الحادث).
ب- معيار التعويض : يرى أنصار هذا الرأي أن التأمين أو الضمان الإجتماعي بصفة ادق يجد أساسه القانوني في التعويض الذي يرافق كافة أنواع التأمين وبدونه لا يكون للتأمين أي معنى ، إذ أن المؤمن له عندما يؤمن على المخاطر المختلفة بمختلف أشكالها بهدف أن يقدم للمؤمن له أو المستفيد مبلغا من المال عند وقوع الخطر.
وخلاصة القول أن هذه النظريا ت تعرضت بطبيعة الحال إلى انتقدات البعض للبعض الأخر ولعل سبب ذلك يعود إلى أن كل واحد من أنصار هذه النظريات يكتفي بالإعتماد على جانب واحد من التأمين وإهماله للجوانب الأخرى، حيث أنه يلاحض من خلال هذا العرض الوجيز أن البعض قد اقتصر على الجانب الفني فقط للتأمين والبعض الأخر على الجانب الإقتصادي، والرأي الأخير اعتمد على الجانب القانوني ، وفي الواقع فإن الضمان الإجتماعي يجد أساسه في جميع هذه الجوانب ولا يمكن الإستغناء عن رأي منها ، وعند التمعن في عملية التأمين نجد أن الضمان الإجتماعي يتضمنها جميعا .
رابعا: الفقه الإسلامي : لقد أثارت فكرة التأمين في مجال الضمان الإجتماعي والأساس الذي يعتمد عليه جدلا كبيرا بين الفقهاء ولا يزال ذلك مستمرا إذ أن الأراء تعددت حول هذا الموضوع بين مؤيد ومعارض لفكرة التأمين ومدى مشروعيته من خلال بروز ثلاث اتجاهات أساسية تناولت بالدراسة والتحليل هذا الموضوع .
يقتصر دور المؤمن على ادارة وتنظيم التعاون بين المستأمنين بطرق فنية يمكن من تحديد المبلغ المالي الذي يدفعه كل واحد منهم في شكلف قسط أو اشتراك بصور تناسب مع درجة احتمال وقوع الخطر من جهة ، ومدى جسامته من جهة ثانية ولا يقدم المؤمن مبلغ مال من حسابه الخاص (ماله) فتأمين إذا هو عملية تعاون منظم بطريق متبادل بين الناس ، وفقا لقواعد فنية تساعد على ابعاد احتمالات الصدفة البحثه في حدوث المخاطر .
أ- أنصار الرأي القائل بعدم المشروعية :
يرى هذا الأتجاه بعدم مشروعية التامين في جميع صوره فهو حسب نظرهم يخالف أحكام التشريع الأسلامي وذلك من خلال ما يلي :
1- التأمين لا يدخل ضمن نطاق العقود المعروفة في الصدر الأول للأسلام ولم يرد بشأنه حكم لا في الكتاب ولا في السنة .
2-عقد التأمين ينطوي على مقامرة وهو بذالك يشبه القمار والرهان وهما أمران لا يجوز الإقدام عليها وفقا لأحكام الشريعة الاسلامية لأن في كل منهما مخاطرة تعتمد على الحظ والمخاطرة ،و الصدفة، فالمؤمن والمراهن يبني كل منهما حساباته على أساس احتمال وقوع الخطر.
3- عقد التأمين عقد غرر ، لأنه في كثير من الحالات المؤمن له أن يدفع أقساطا دون أن يتحصل على أي شئ من مبلغ التأمين ، ويكون ذلك في جميع العمليات التي لا يتحقق فيها الخطر ، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن عقد التأمين كغيره من عقود الغرر يعتبر من قبيل العقود الإجتماعية التي نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم على الاخذ بها كبيع المضامين والملاحيق وماستفرزه شبكة الصيد من أسماك وما سيأتي به الغواص من لؤلؤ.
4- ان عملية التأمين تنطوي على نوع من الربا بالنسبة لطرفي العقد.
5- ان التأمين يحتوي في طياته على معنى التحدي للقدر والتوكل على الله.
ب- أنصار الرأي القائل بالمشروعية :
يرى هذا الرأي أن التأمين مشروع بحكم أنه لا يتعارض مع مبدئ الشريعة الإسلامية وراح البعض "يحاول تقييد الحجج التي يستند عليها القائلون بعدم المشروعية وابعاد الشبهات التي ينسبونها إليه، ومن هؤلاء الفقهاء مصطفى الزرقاء الذي رد على هذه الحجج وانتهى في الأخير إلى اعتبار أن جميع عقود التأمين تقوم على التعاون الذي أمر به القرأن والسنة، كما أن التأمين نظام حديث لم يكن معروفا في صدر الإسلام وبالتالي فالأصل في عقود الإباحة، إلا ما كان مخالفا للشريعة وهذا غير وارد بالنسبة لعقد التامين.
ويرى الأستاذ بوهام عطى الله أن عقد التأمين لا ينبغي أن يقاس على غيره من العقود الأخرى فهو حلال ، لا لأنه يشبه عقدا أخر من العقود المعروفة ولكن لأنه عقد جديد لم يرد بشأنه ما يحرمه، وليس من عقود الغرر اوالرهان أو القمار وهو بذلك تصرف مشروع بل أكثر من ذلك أنه نظام تعاوني قائم على توزيع المخاطر التي تصيب الفرد بين أكبر عدد ممكن من الأفراد. وهناك فريق أخر يبرر المشروعية بالتشابه القائم بين عقد التأمين والعقود الأخرى كانت حلا في صدرالإسلام كعقد ضمان الطريق والوكالة والحراسة وعقد الموالاة وعقد العاقلة.

ج- الرأي التوفيقي :
حاول فريق اخر من الفقهاء الأخذ بالحل الوسط للأراء المتباينة لكل من أنصارالإتجاهين السابقي الذكر فذهبوا إلى القول بمشروعية التأمين في بعض صوره وخاصة بالنسبة للتامين التعاوني والتامين الإجتماعي، وعدم مشروعية صور التأمين الأخرى وخاصة تلك التي تكون محل تعاقد بين المستأمن وشركة التأمين ، وفي هذا الصدد يميز الأستاذ محمد أبو زهرة بين التأمين الإجتماعي التي تقوم به الدول للعمال وأسلاك الموظفين ويعتبر ذلك نوعا من التعاون ولو كان ذلك بالإلتزام والحسم من الأجور، وبين التأمين غير التعاوني.
وعلى هذا النحو صدرت العديد من الفتاوي سواء جماعية كانت أو فردية مثل "مجمع البحوث الإسلامية" والذي أقر في مؤتمره الثاني المنعقد بالقاهرة عام 1984 وتضمن الفقرات التالية :
1- التأمين الذي تقوم به الجمعيات التعاونية وفيها يشترك المستأمنين لتؤدي لأعضائها ما يحتاجون إليه من معونات وخدمات أمر مشروع وهو من قبيل التعاون على البر.
2- إن نظام المعاشات الحكومي وما يشبهه من أنظمة كالضمان الإجتماعي المتبع في بعض الدول ونظام التأمينات الإجتماعية المتبع في دول اخرى فهي جائزة.
من خلال ماسبق ذكره لتحديد مفهوم واضح للضمان الإجتماعي المرتكز على الخطر الإجتماعي الذي يعد سببا رئيسيا في وجود نظام الضمان الإجتماعي الذي عرف تطورات عبر حقب من الزمان وذلك ماسنتناوله في المطلب الموالي.
المطلب الثاني : التطور التاريخي للضمان الإجتماعي :
الضمان الإجتماعي نظام حديث النشأة بدأت بوادره الأولى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر(19) ولم يرى النور إلا في بداية القرن العشرين وبصفة خاصة على اثر الأزمة الإقتصادية لعام 1929 ، ولم يبدأ في الإنتشار إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية كما سبق ذكره إذا كانت مواجهة المخاطر الإجتماعية تتم بطرق تقليدية تعتمد أساسا على ادخار الفرد لدخله الخاص أو عن طريق ماعرف بالمساعدة الإجتماعية أو التعويض عن طريق المسؤولية وكذا التأمين الخاص ، وتبعا لذلك سوف نتناول في ( الفرع الأول) الوساءل التقليدية لمواجهة المخاطر الإجتماعية وفي (الفرع الثاني) نتناول التأكيد على الحق في التأمين الإجتماعي
الفرع الأول : الوسائل التقليدية لمواجهة المخاطر الإجتماعية:
ان حاجة الفرد إلى الحماية الإجتماعية التي كانت تواجهه في حياته اليومية لم تكن وليدة القرن الحالي ، بل تمتد الا فترة زمنية غير قريبة ، ولكن بساطة وحدائة فكرة مواجهة هذه المخاطر جعلت الفرد يعتمد طرق ووسائل لمواجهة هذه المخاطر الإجتماعية ونتناولها في ما يلي :
1- الإدخار : ويعرف الإدخار على أنه حبس جزء من الدخل أي عدم استهلاك جميع الدخل بل أن الفرد لا ينفق جزءا من دخله المتحصل عليه أثناء فترة صحته ونشاطه ، ليعين هذا الجزء المدخر في التخفيف من أثار المخاطر عند وقوعها ، وللإدخار مزايا على الفرد والدولة ، إذ يقلل الإستهلاك، وهو وسيلة من وسائل التنمية والأستثمار ، ورغم ذلك بعد وسيلة غير كافية لدرء المخاطر الإجتماعية ، كون الإدخار يفترض مقدرة الإقدام عليها أي يفترض وجود فائض من الدخل يستطيع الفرد أن يتنازل عن استهلاكه لمواجهة أعباء المستقبل ، غير أن أصحاب الدخل البسيط أقل قدرة الإدخار، رغم كثرة تعرضهم للأخطار الأجتماعية. واخيرا فان فعالية الإدخار كوسيلة لمواجهة المخاطر الإجتماعية يتوقف على ثبات قيمة العملة وهو ما لا يمكن تأكيده.
2 المساعدة الإجتماعية : وهي تقديم يد العون لمن أصابته الكارثة ويكون في صورة مبلغ نقدي أو خدمات عينية، وقد تصدر هذه المساعدة من أفراد ثباءا على باعث داخلي بدافع الخير والإحسان.
ورغم المزايا التي يمتاز بها نظام المساعدات الإجتماعية كونه يخفف من وطأة المخاطر التي يتعرض لها الفرد ، وكذا يساعد في مواجهة الأخطار الإستثنائية ، إلا أنه ينطوي على عيوب ، كونه لا يمكن أن يغطي كافة المخاطر اليومية أو التي لا يمكن تجنبها كالشيخوخة كما أن المساعدات التي تقدمها الدولة يجب أن تتحملها الخزينة العامة ، وقد لا تستطيع الدولة تحمل ذلك بالنظر إلى ظروفها الإقتصادية مما يفقد هذا النظام فعاليته. كما أن نظام المساعدات هذا لا يمنح إلا للأشخاص الذين يثبتون أنهم فقراء ، مما يثير نوعا من الصعوبة العملية اظافة إلى مافيه من مساس بكرامة الشخص المطالب بالمساعدة ، كما أنه يترتب على المساعدة الإجتماعية تلاشي روح الإحتياط عند الفرد ، وتوقي الأخطار لدى الجماعة.
ثالثا : المسؤولية
تعد المسؤولية المدنية وسيلة لحماية الفرد اجتماعيا طبقا لنظرية الخطأ، الذي يلزم التعويض لما ألحقه من ضرر، غير أن هذه النظرية غير كافية، لأنه أحيانا قد لا يوجد مسؤول عن الضرر كالمرض والشيخوخة أو يكون المسؤول معسرا ، وغالبا ما يتطلب التعريض اللجوء إلى القضاء ، وتنفيذ الحكم الصادر بالتعويض مما يتطلب معه مدة زمنية معينة ومصاريف لا تلائم الفقراء .


4 التأمين الخاص :
يقوم هذا النوع من التأمين على التبادل والتعاون في تحمل الأخطار الإجتماعية ونميز في هذا النظام التأمين كوسيلة لمواجهة الأخطار بين صورتين هما: التبادلات أو جمعيات المعونة المشتركة والتأمين التجاري.
1- التبادليات: وهو المعونة التي يتبادلها مجموعة من الأفراد يتعرضون لذات المخاطر في اطار جمعيات تنشأ لهذا الغرض، وتتمثل المعونة في التعويض الذي تقدمه الجمعية للفرد الذي يتعرض للخطر، ويدفع التعويض من مجموع الإشتراكات الدورية التي يدفعها أعضاء التبادلية، ظهرت هذه الجمعيات بصفة خاصة بعد قيام المجتمع الصناعي ، وسادة الروح الفردية التي أدت إلى تضاؤل دور التضامن العائلي.
وتعد جمعيات المعونة التبادلية وسيلة جماعية لمواجهة المخاطر التي يتعرض لها الفرد ، بحيث لا يتحمل نتائج الخطر لوحده، بل يشاركه في تحمل النتائج باقي أعضاء الجمعية، عن طريق الإشتركات التي يؤدونها، والتي من مجموعها يدفع له تعويض عن الضرر الذي لحقه.
غير أن الجمعيات لم تستطع القيام بدورها على أتم وجه بسبب إختيارية الأنظام إليها وبالتالي قلة عدد المنظمين إليها، مما يعني عجز مواردها عن تغطية المخاطر التي يتعرض لها أعضائها.
2- التأمين التجاري : ويتم لدى شركات التأمين التجارية، عن طريق التعاقد بين طالب التأمين والشركة ، وبمقتضاه يدفع المؤمن له للشركة أقساط التأمين التي يراعي في تحديدها بصفة خاصة ، درجة احتمال الخطر ، ومبلغ التأمين، ومدة التأمين والأرباح التي تهدف الشركة المؤمن إلى تحقيقها، والنفقات الإدارية المختلفة، على أن تدفع الشركة للمؤمن له مبلغ التأمين عند تحقق الخطر المؤمن منه.
الفرع الثاني : التأكيد على الحق في التأمين الإجتماعي :
كانت التأمينات الإجتماعية في الوقت الذي نشبت فيه الحرب العالمية الثانية قد اكتسبت مكانة خاصة ، وتوطد الإعتقاد بأهميتها، ليتأكد بعد ذلك الحق لكل فرد في التأمين الإجتماعي ، خاصة مع تقرير اللورد بفردج –وهو الحق الذي تم تكريسه لاحقا في العديد من الإعلانات والمواثيق الدولية ، متأثرة إلى حد بعيد بالتقرير المذكور.
أولا : تقرير اللورد بفردج:
لقد شكلت الحكومة البريطانية في سنة 1941 لجنة برئاسة اللورد بفريدج ، لوضع تقرير عن نظام التأمين الإجتماعي الذي ينبغي أن يكون في بريطانيا ، وفي عام 1942 وضعت اللجنة تقريرا ضمنته ملاحضاتها على النظام المذكور ومقترحلتها لتطويره ، وعرف هذا التقرير بأسم رئيس اللجنة اللورد بفريح.
وقد انطلق بفردج في تقريره من فكرة أساسية – متأثرا في ذلك بأفكار روزفلت تقوم على تحرير الإنسان من الحاجة ، فالحاجة في نظر بفردج عار يجب على المجتمع التخلص منه ، ولذالك عرف التأمين الإجتماعي بأنه نظام ضمان حد أدنى من الدخل يحرر الإنسان من الحاجة.
وإذا كانت نقطه البدء عند بفردج هي ضرورة القضاء على الفقر والحاجة، وأن ذالك ليس بمستحيل أذا ما استخدمت الأساليب العلمية السليمة ، فقد ارتكز نظامه المقترح على ضرورة تعميم نظام التأمين الإجتماعي ، بحيث يشمل جميع أفراد المجتمع ، وتبدو اهمية ذلك ليس فحسب من ناحية توسيع دائرة المستفيدين من التأمين بل أيضا من ناحية توسيع دائرة المساهمين في تموسل النظام ، مما يؤدي إلى خلق نوع من التضامن والتكافل الإجتماعي بين أفراد المجتمع ، يترتب عليه اعادة توزيع المداخيل بينهم توزيعا عادلا.
ويرى بفردج أيضا ضرورة التوسع في المخاطر التي يتضمنها نظام التأمينات الإجتماعية ليشمل كل المخاطرالإجتماعية بمافي ذلك خطر الأعباء العائلية ، وخطر الوفاة ، وأكد التقرير كذلك على ضرورة توحيد نظام التأمين الإجتماعي ، وتبسيط اجراءاته فاقتراح لذلك توحيد الأدارة القائمة عل التأمين وخضوعها لوزارة واحدة هي وزارة التأمين الإجتماعية .
اقترحت اللجنة التي يترأسها بفردج أن يتم وضع النظام المقترح موضع التنفيذ عن طريق تأمين وطني تنظمه الدولة ، وسياهم فيه الأفراد بأقساط مقتطعة من مداخيلهم . والتعويض الذي يستحق عند حدوث الضرر واحد بالنسبة لجميع الأفراد ،وبغض النظر عند مراكزهم في المجتمع وهذا التعويض يمثل الحد الأدنى اللازم للمعيشة ، ويستثنى من مبدأ إلتزام الأفراد بتمويل التأمين مايتعلق بمواجهة الأعباء العائلية ، وتقديم الخدمات الصحية ، حيث تتولى الدولة تمويل ذلك. كما دعت اللجنة إلى رفع التعويضات المستحقة عند حدوث الضرر ، والغاء كل تحديد للمدة التي يمنح خلالها تعويض البطالة أو المرض .
تلك هي مقترحات بفردج فيما يتعلق بالتعويض عند أظرار المخاطر الإجتماعية، غير أن ذلك لا يعد إلا عنصرا من عناصر مفهوم أكثر إتساعا للتأمين الإجتماعي فقد اوصى بفردج بالإضافة إلى ضرورة تدعيم النظام المقترح بسياسة الرعاية الصحية المجانية لجميع أفراد الشعب ، سواء من ناحية الوقاية أو من ناحية العلاج، هكذا طرح بفردج أول مشروع للتأمين الإجتماعي يهدف إلى توفير الحماية الإجتماعية لجميع أفراد المجتمع ربطا بين التأمين الإجتماعي وبين الحاجة بشكل عام، مؤكدا على حق كل فرد من أفراد المجتمع في التأمين الإجتماعي. لذلك كان لهذا المشروع أثر بالغ لا في التشريع البريطاني فحسب، بل في حركة تشريع العالم ، وبصفة خاصة في البلاد التي كانت حكومات مؤقتة في لندن أثناء الحرب العالمية الثانية ، كفرنسا ، بلجيكا وهولندا وكذلك في عديد من الأعلانات والمواثيق الدولية التي حرصت على تأكيد الحق في التأمين الإجتماعي لكل فرد من أفراد المجتمع.
ثانيا : الإعلانات والمواثيق الدولية:
لقد كانت الحرب العالمية الثانية مناسبة تعدد المواثيق والإعلانات الدولية التي تؤكد على دور الدولة في المجال الإقتصادي والأجتماعي ،ولقد ساعدت هذه المواثيق والإعلانات على زيادة دور الدولة في هذاالمجال ، وساعدت كذلك على تأكيد الحق في التأمين الإجتماعي، والوصول به إلى مرتبة حقوق الإنسان فقد ظهر الإهتمام بالحق في التأمين الإجتماعي على الصعيد الدولي مع بداية نشوب الحرب العالمية الثانية ، فالميثاق الأطلنطي الذي وقع في 12 أوت 1941بين روزقلت وتشرشل، وأكد على ضرورة التعاون الأكمل بين جميع الدول في المجال الإقتصادي لتحسين شروط العمل ، ودفع مستوى الحياة الإقتصادية وتوفير التأمين الإجتماعي للجميع.
وكان المظهر الثاني من مظاهر الإهتمام الدولي بتأكيد الحق في التأمين الإجتماعي متمثلا في جهود منظمة العمل الدولية أثناء الحرب العالمية الثانية ، فقد عقد في نيويورك في الفترة الممتدة من 27 أكتوبر إلى 05 نوفمبر 1941 مؤتمر دولي للعمل ، صدرت عنه توصية مؤيدة لما جاء بميثاق الأطلنطي وتطالب بالأستعانة بأجهزة منظمة العمل الدولية ، وخبرتها في سبيل وضع توصيات ميثاق الأطلنطي موضع التنفيذ، وصدرت توصية أخرى متعلقة بإعادة البناء بعد الحرب على أساس تحسين شروط العمل والعمل، على التقدم وتطويرنظم التأمينات الإجتماعية.
وتوالت بعد ذلك الإعلانات والمواثيق الدولية التي تنص على ضرورة التأمنيات الإجتماعية وتأكد على حق كل مواطن فيها ، فميثاق الأمم المتحدة ينص عليها في مادته 25 ، كما ينص على ذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948، وفقا لمادته 22 ، "كل شخص باعتباره عضوا في المجتمع له الحق في التأمينات الإجتماعية وله الحق في الحصول على اشباع حاجاته الإقتصادية والإجتماعية واللازمة لكرامته وللنمو الحر لشخصيته ، وذلك بفضل المجهود الوطني والتعاون الدولي ، وذلك مع مراعاة ظروف كل دولة ومواردها" وتشير المادة 23 من الإعلان إلى الحق في العمل والحصول على أجر عادل ، والحرية النقابية ، كما أشارت المادة 24 من الإعلان إلى حق العامل في الراحة ووقت الفراغ وبصفة خاصة الحق في اجازات دورية مدفوعة الأجر. وتنص المادة 25 من نفس الإعلان على أن لكل شخص الحق في حد أدنى من مستوى المعيشة لتأمين صحته وكفالة حياة كريمة له ولأسرته خاصة بالنسبة للمأكل والمسكن والرعاية الصحية، وله الحق في الأمان في حالة البطالة، المرض، العجز، الشيخوخة وفي كل الحالات الأخرى التي ينفقد فيها موارد معيشته لسبب خارج عن ادارته.
وبذلك عرف الضمان الإجتماعي تطورات هامة عبر مختلف المراحل خاصة بعد الحرب العالمية الأولى والأزمة الإقتصادية لسنة 1929 وتم التاكيد عليه أكثر بعد الحرب العالمية الثانية ، وما كان من تطور للضمان الإجتماعي إذ لم تكن وسيلة للحماية فقط وانما كحلقة من حلقات سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على تدخل الدولة لتحقيق مستوى معقول من الأمن الإقتصادي للمواطن حتى في ظل أكثر النظم ايمانا بالحرية الإقتصادية.
المبحث الثاني : الأنظمة المختلفة للضمان الإجتماعي
لقد عرف الضمان الإجتماعي عدة تطورات عبر التاريخ مما أدى ألى ظهور اختلافات بين كل مراحل هذا التطور وايضا اختلاف الأنظمة المعتمدة من دولة لأخرى وذلك تماشيا مع درجة تقدمها وكذا وعيها بضرورة وضع نضام كفيل بتوفير اكبر قدر ممكن من الحماية فمهما اختلفت انضمة الضمان الاجتماعي من دولة لاخرى الا ان هناك عدد من المجالات المشتركة بينها وبين الجزائرباعتبارها طرفا في المعاملات والعلاقات الدولية فانها ملتزمة كباقي الدول على اخضاع نظامها التاميني الاجتماعي للمقاييس المقررة له لذلك وجب علينا التطرق اولا لمختلف الانظمة المعتمدة من طرف الدول في مجال الضمان الاجتماعي (المطلب الاول ) لكي نتحول الى دراسة نضام الضمان الاجتماعي الجزائري والتطورات التي طرات عليه (المطلب الثاني ).
المطلب الاول : الضمان الاجتماعي في القانون المقارن:
يختلف نظام الضمان الإجتماعي بإختلاف النظام الإقتصادي والأجتماعي للدو لة ، فكما سبق شرحه فإن البوادر الأولى لنظم التامين الإجتماعي قد بدأت تظهر مع نهاية القرن 19 وقد شهدت ألمانيا أول تشريع للتأمين الإجتماعي وتأثرت بها الكثير من الدول الأوربية فالتعرض للنظام الألماني يكون في الفرع الأول يليه التشريع الفرنسي والفرع الثاني والنظام الأمريكي في الفرع الثالث
الفرع الأول : النظام الألماني
ظهرت نظم التأمينات الإجتماعية في ألمانيا كمحاولة من المستشار الألماني بسمارك حيث تركزت جهوده على تحسين أوضاع الفئة العاملة بمنحهم بعض المزايا الأجتماعية التي تساعد على التخفيف من وطأة المخاطر الإجتماعية التي يتعرضون لها وبالتالي يمكن امتصاص غضب أفراد هذه الفئة والحد من اتجاهها لمناصرة ومساندة الإشتراكية ومناهضة النظام الرأسمالي وقد أصدر بسمارك ثلاث تشريعات متعاقبة الولى في 15 جوان 1883 بفرض التأمين من المرض والثاني في 6 جويلية1884 ينظم التأمين عن الإصابات الناجمة عن العمل ، والثالث في 30جويلية 1889 صدرت ضد مخاطر العجز والشيخوخة، وقد تم تجميع هذه التشريعات في تقنين واحد سمي بتقنين التأمياتن الإجتماعية وقد استكمل هذا التقين فصوله بصدور قانون التأمين من الوفاة في عام 1931 وكذا قانون التأمين من البطالة سنة 1929، وقد تميزت هذه التأمينات بطابعها الإلزامي ولأول مرة في تاريخ التأمين من المخاطر الإجتماعية مقتصرة في ذلك في البداية على الميدان الصناعي ثم القطاعات الأخرى وكانت هذه التأمينات تمول عن طريق الإشتراكات الإدارية التي يدفعها العمال وأصحاب العمل وهذا بالإضافة إلى مساهمة الدولة بالنسبة لبعض أنواع التامين (العجز والشيخوخة ).
وقد كان لهذه التشريعات الأولى للتأمينات الإجتماعية تأثيرا واسعا على الكثير من الدول الأوروبية الأخرى ، فقد أصدرت كل من النمسا والمجر تشريعات مماثلة في عام 1887 وكذلك النرويج سنة 1894 وقد أصدرت السويد قانون التأمين الإجباري للشيخوخة في عام 1913 يشمل كافة المواطنين.
الفرع الثاني النظام الفرنسي :
تأثرت فرنسا بالتشريعات الألمانية وصدرفي هذا الشأن قانون 9 أفريل 1889 أخذا بمبدأ المسؤولية الموضوعية لأصحاب العمل، حيث لم يعد العامل ملزما باثبات خطأصاحب العمل لتقرير حقه في التعويض ، وتأكيدا للإتجاه نحو توفير الحماية الإجتماعية لطبقة العمال ، أعقب القانون السابق قانون أخر في 31 مارس 1905 يفرض على أصحاب الأعمال التأمين الإجباري من المسؤولية عن حوادث العمل مقررا للعامل دعوى مباشرة ضد شركة التامين يحصل بمقتضاها على حقه في التعويض .
عمل المشرع الفرنسي على تعميم المزايا التي يتمتع بها العمال خاصة بعد إستردادها لإقليم الألزاس واللورين فأصدرت بذلك قانون 05 أفريل 1928 أعقبه قانون أخر في 30 أفريل 1930 واضعا أسس التأمين الإجتماعي في فرنسا. وقد شهد هذا النظام تطورا ملحوضا من حيث إتساع نطاق تطبيقه وتنظيمه.
الفرع الثالث : النظام الأمريكي
لقد ظلت الولايات المتحدة الأمريكية بعيدة عن تيارات التأمين الإجتماعية ، حريصة بذلك على مبادئ الحرية المطلقة التي تمنع تدخل الدولة في العلاقات الأقتصادية والإجتماعية إلى أن داهميتها الأزمة الإقتصادية اواخر عام 1929 وعند تولي روزفلت الحكم عام 1932 وإنتهج سياسة جديدة تخرج عن مبدأ الحرية المطلقة، وتقر حق الدولة في التدخل في الحياة الإقتصادية والإجتماعية بإعتبارها مسؤولة ليس فقط عن حماية النشاط الفردي للمواطن بل أيضا كفالة الحيز العام للجماعة .
لقد كان القانون الأمريكي محدود الأثر في مواجهة الأخطار الإجتماعية وذلك مقارنة بالأنظمة الأخرى للدول الأوربية التي صدرت في هذه الفترة ، ففي مجال المخاطراقتصر على التأمين ضد البطالة والشيخوخة ولم يقرر التأمين الإجباري عن المرض أو العجز فيما عدا العجز النتائج عن اصابات العمل، غير أن هذا لا يقلل من أهمية المساهمة بهذا النظام في تطوير نظام التأمين الإجتماعي كوضع نظام للوقاية من المخاطر مبررا العلاقة بين الوقاية والعلاج في مجال الحماية الإجتماعية.
من خلال ماسبق يتضح لنا أن الدول اعتمدت على عدة انماط للضمان الإجتماعي سواء باتساع الفئات المشمولة بالحماية أو المجالات التي تشملها هذه الحماية غير أن الهدف واحد وهو الوصول إلى توفير أكبر قدر من الحماية للفرد وهو ماسار عليه المشرع الجزائري من خلال نظام التأمين الإجتماعي وما طرأ عليه من تطورات.
المطلب الثاني : النظام الجزائري
لقد عرف نظام الضمان الإجتماعي الجزائري عدت تطورات وذلك تبعا للمراحل العديدة التي مرت بها الدولة الجزائرية فقد مر هذا النظام بمرحلتين ألا وهما مرحلة صدور قوانين اصلاح منظومة التأمين الإجتماعي أي مرحلة ماقبل سنة 1983 أين صدرت 5 قوانين والمرحلة الموالية لها والممتدة إلى يومنا هذا كمرحلة ثانية . وان كان الضمان الإجتماعي في الجزائر قبل سنة 1983 معظم قوانينه ارث من النظام الفرنسي فبعد الستقلال وسعت الجزائر نطاق الضمان الإجتماعي بحيث أصدرت مجموعة من القوانين سنة 1983 تهدف إلى اصلاح هذا النظام وكذا احداث صناديق خاصة بكل فئة من المواطنين ، لذا تعين علينا دراسة النظام الجزائري عبر مرحلتين ، مرحلة ماقبل سنة 1983 (الفرع الأول ) وبعد ذلك مرحلة مابعد سنة 1983 (الفرع الثاني ).
الفرع الأول : مرحلة ماقبل سنة 1983
أولا : أثناء الإستعمار:
كانت هذه الفترة تمتاز بالفوارق بين الجزائريين والمعمرين أذ كان نظام التأمين على المرض يخص فقط الأوربيين وكان باقي الشعب لا يستفيد إلا من اعانات رمزية مثل المساعدة الطبية المجانية التي كانت تمنح في المصحات لأن فكرة المعمرين كانوا يحاولون دائما المحافظة على الإمتيازات التي يتمتعون بها بوصفهم أعلى درجة من الجزائريين .
وبالنظر إلى الوضعية الجزائر خلال هذه المرحلة يمكن القول أنه وان ظهر نظام التأمين اجتماعي غير أنه ذو تطبيق جزئي وإنتقائي ولم يذق الجزائريون طعم الحماية الأجتماعية إلا بعد الإستقلال.
ثانيا:مرحلة من 1962 إلى سنة 1983:
نظام الضمان الإجتماعي بالجزائر والذي تم إدخاله كإمتداد للنظام الفرنسي بدأ يعرف عدة تطورات وتغييرات مباشرة بعد الإستقلال وذلك تماشيا مع الإتجاهات المختارة من طرف الدولة الجزائري وكذا الفرقات الإقتصادية والإختلافات بين الجزائر وفرنسا التي كان نظامها هو السائد، فقد إعتمدت الجزائر على الإشتراكية كأغلبية الدول حديثة العهد بالإستقلال مما يفرض إجراء تغييرات على كل المستويات خاصة في مجال الحماية الإجتماعية لمواطنية، وبذلك فقد تم الإعتراف بالحق في الصحة والحماية الإجتماعية في الميثاق الوطني سنة 1976 وكذا في دستور سنة 1976 الذي إعترف لجميع المواطنين بحقهم في حماية صحتهم.
و أهم ما يميز هذه المرحلة هو تنوع الأنظمة إذ كانت فئة من العمال أو الموظفين تخضع لنظامها الخاص وكان هذا التنوع مبرر بتنوع قطاعات النشاط مما جعل نضام الضمان الإجتماعي الجزائري بهذه الصفة معقد سواء في التنظيم أو التسيير، وبقى الحال على ذلك إلى غاية سنة 1970 أين بدأت الإجراءات الأولى لمحاولة خلق نوع من التجانس بين هذه الأنظمة المختلفة، فجاء المرسوم 70-116 المؤرخ في 01 أوت 1970 الذي أعاد تنظيم الضمان الإجتماعي وذلك بإنشاء صناديق متخصصة، مع ضم نظام التأمين الفلاحي بوجب الأمر الصادر في 05 أفريل 1971 في سباق الثورة الزراعة. إذ أصبح الفلاحون يتمتعون بنفس مزايا النظام العام الذي كان مطبق على الفئات الأخرى من العمال والموظفين، كما تم بموجب الأمر رقم 74-08 المؤرخ في 30 جانفي 1974 كل هذه الأنظمة والصناديق تحت وصاية وزارة واحدة وذلك بعد أن ان تحت وصاية وزارات مختلفة، إذ تم ضمهم لوزارة الشؤون الإجتماعية بإستثناء النظام الفلاحي الذي كان تابعا لوزارة الفلاحة.
فخلال هذه الفترة إذا كان نظام الضمان الإجتماعي الجزائري يتميز تبعا بتعايش نظامين، النظام العام (Général) أي بحسب الفئات العاملة ومجموعة من الأنظمة الخاصة التي تستند على المهنة، إلى أن جاء التوحيد سنة 1983.
ثالثا : مرحلة مابعد سنة 1983 :
تماشيا دائما مع النظم الإشتراكي وكذا التطورات والتوجهات التي بدأت تتجسد من بداية سنة 1980 ، تقرر تطوير نظام الضمان الإجتماعي بحيث يكون معمم على جميع المواطنين استنادا على المبادئ التالية :
- مبدأ تعميم الضمان الإجتماعي.
- مبدأ توحيد الأنظمة والإمتيازات والتمويل .
- مشاركة ممثلي العمال في تسيير هيئات الضمان الإجتماعي عبرتمثيل واسع في مجالس الإدارة لهذه الأخيرة ان الهدف من اصدار قوانين الضمان الإجتماعي لسنة 1983 هو تعميم الضمان للجميع دون النظر إلى قطاع النشاط أو الفرد فيشمل جميع العمال والموظفين بالإضافة إلى المعوقين وكذا المسنين بالإظافة إلى السماح للنقابات والجمعيات الممثلة لهذه الفئات من المشاركة في تسيير هيئات الضمان وقد صدرت سنة 1983 خمسة قوانين وهي :
1- الضمان الإجتماعي القانون رقم 83/11.
2- التقاعد القانون رقم 83/12 .
3- حوادث العمل والأمراض المهنية القانون رقم 83/13.
4- التزامات المكلفين في مجال الضمان الإجتماعي القانون رقم 83/14.
5- المنازعات في مجال الضمان الإجتماعي القانون رقم 83/15 .
وتطبيقا لهذه القوانين ومحاولة من المشرع اعطائها أكثر نجاعة وفاعلية فقد تم انشاء ثلاث صناديق للضمان تشمل جميع الفئات وذلك بموجب المرسوم التنفيذي رقم 92-07 وهي؟
1- الصندوق الوطني للتأمينات الإجتماعية .(CNAS)
2- الصندوق الوطني للتقاعد (C.N.R )
3- الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي لغير الأجراء (CASNOS )
4- الصندوق الوطني لتأمين على البطالة (CNAC)
وهذه الصناديق هي الكفيلة بتوفير الخدمات للمواطنين والمتمثلة في حماية من المخاطر التي قد يحل بهم بحيث تعتبر الإشتراكات المتقطعة من أجور العمال والمستخدمين المصدر الأولي لهذه الصناديق بالإضافة لإعانات الدولة .
هذه هي أهم المراحل التي مر بها نظام التأمين الإجتماعي الجزائري، وبالنظر إلى طبيعة العلاقة بين المؤمن لهم والصناديق المختلفة وبصفة خاصة ماينتظره الفرد من حماية ، فقد لا يرضى بتقديرات صناديق الضمان الإجتماعي وبالتالي ينازعها في بعض الحالات .
المبحث الثالث : أنواع منازعات الضمان الاجتماعي:
إن اختلاف الخدمات التي يوفرها الضمان الاجتماعي هو الذي ينشا ويقود إلى اختلاف منازعات الضمان الاجتماعي . فقد تكون المنازعات ذات طابع تقني إذا كانت تدور حول موضوع تقني لا يمكن حله إلا باللجوء إلى أشخاص أو هيئات مختصة كالمتعلقة بالفحص الطبي ، كما قد تكون المنازعة طبية إذا كان موضوعها الخبرة التي تجري على العامل أو الموظف بخصوص العجز عن العمل كالعطل المرضية مثلا ، وأخيرا قد تكون المنازعة ذات طابع عام إذا كان موضوعها يشمل أي مجال آخر مما لا يدخل ضمن النوعين الأولين ، لذلك وجب توضيح أنواع منازعات الضمان الاجتماعي والتفرقة بينهما في التشريع الجزائري وذلك بالتطرق للمنازعات العامة ( المطلب الأول)ثم المنازعات الطبية ( المطلب الثاني )، للتطرق بعد ذلك إلى المنازعات التقنية ( المطلب الثالث ).
المطلب الأول :المنازعات العامة
إن الخلافات التي تنشا بين المؤمن لهم أو المستفيد (ذوي حقوق المؤمن له ) من جهة وبين هيئات الضمان الاجتماعي من جهة أخرى حول إثبات الحق في التكفل بالمؤمن له أو بذوي حقوقه عند وقوع حادث عمل أو مرض مهني أو أي خطر اجتماعي آخر . كما أن اتساع دائرة الأشخاص المؤمنين من جهة والتأمينات الاجتماعية من جهة أخرى وكذا صعوبة الإثبات والتكييف جعل من الصعب حصر مفهوم المنازعات وتحديد مجالاتها.
الفرع الأول :تعريف المنازعات العامة :
لتحديد تعريف المنازعات العامة وجب العودة إلى نصوص قوانين الضمان الاجتماعي الجزائرية والتي من المفروض أن تعطي التعريف الجامع والمانع للمنازعات العامة كونها نوع من المنازعات الناجمة عن العلاقات بين صناديق الضمان الاجتماعي والأفراد المستفيدين من خدماتها ، غير انه وبالرجوع إلى القانون رقم 83/15 فإننا نلاحظ ومن خلال نص المادة 03 منه* إن المشرع اعتبر أن المنازعات العامة في الضمان الاجتماعي هي كل ما لا يدخل ضمن الخلافات المتعلقة بالحالة الطبية للمستفيدين وكذا المنازعات التقنية. فعوض إطاء تعريف محدد، اكتفى المشرع باعتبار كل ما لا يدخل ضمن هاتين الطائفتين من المنازعات عبارة عن منازعة عامة.
فالمنازعات العامة للضمان الاجتماعي بالرغم من عدم وجود تعريف واضح لها يمكننا القول بأنها تشمل المستخدمين وهيئات الضمان الاجتماعي من جهة والمؤمن له أو ذوي حقوقه من جهة أخرى.
وتنشا المنازعات العامة عند وقوع حادث عمل أو مرض مهني وذلك في حالة وقوع اختلاف حول تقدير هذا الحق سواء كان ذلك من حيث مدى توفر الشروط المقدرة لثبوته أو حول نتيجة طبية لتقرير العجز البدني الناتج عن الحادث أو المرض وهناك مسائل كثيرة ومتنوعة والتي يمكن أن تشكل المنازعة العامة .
الفرع الثاني : مجالات تطبيق المنازعات العامة
إن النصوص القانونية في مجال الضمان الاجتماعي لم تظهر إلا لتنظيم العلاقة القانونية الناشئة بين المؤمن لهم أو المستفيدين من ذلك هذا من جهة، وبين هيئات الضمان الاجتماعي من جهة أخرى ، وذلك بتقرير مجموعة من الحقوق والواجبات يؤدي الإخلال بها إلى نشوب خلافات بين أطراف التامين ، تدخل في إطار المنازعات العامة للضمان الاجتماعي ، إذا كان موضوعها لا يتعلق بالطابع الطبي أو التقني ، وفي هذا الإطار تنقسم القواعد القانونية للمنازعات العامة إلى قسمين : الأول ينصب حول الخلافات المتعلقة بحقوق المؤمن لهم أو ذوي حقوقهم من ادعاءات عينية أو نقدية كالتامين على المرض ، الولادة ، الوفاة والأخطار المهنية في مجال حوادث العمل والأخطار المهنية . أما القسم الثاني فانه يتعلق بالمعارضات الناجمة عن عدم تنفيذ التزامات المستخدم التي وجب عليه احترامها كالتصريح بالنشاط وبالأجور وكذا دفع مستحقات الضمان الاجتماعي .
أولا: الخلافات المتعلقة بحقوق المؤمن لهم أو ذوي حقوقهم:
تتمثل في المخاطر التي تغطيها التأمينات الاجتماعية في المرض والأموية والعجز والوفاة والبطالة والتقالد.
1.المرض: إن إصابة عامل بمرض من شأنه أن يخول له الحق في التعويض يوجب عليه إشعار هيئة الضمان الإجتماعي بذلك المرض، وقد بحددت مدة الإشعار بيومين عمل غير مشمول فيهما اليوم المحدد بالتوقف عن العمل،و يتم التصريح بالمرض عن طريق إيداع المعني بالمرض أو ممثله، أو إرسالها مقابل وصل إستلام تتسلمه مصالح الضمان الإجتماعي، وترسل في نفس الوقت نسخة من وصفة التوقف إلى المستخدم الذي يشغل عنده العامل المؤمن له، وإذا لم يتم العال بالتصريح عن مرضه في المدة المحددة سقط حقه في التعويضات اليويمة.
تشمل آداءات اتأمين على المرض الآداءات العسنسة التي تتمثل في التكفل بالمصاريف الطبية والوقائية والعلاجية لصالح المؤمن وذوي حقوقه، والآداءات النقدية التي تمثل في منح تعويضات يومية للعامل الذي يضطره المرض إلى الإنقطاع عن العمل مؤقتا.
2.التأمين على الأمومة:
تكون للمرأة العاملة التيإنقطعت عن العمل بسبب الولادة، الحق في تعويضة يومية تقدر بـ: 100% من الأجر اليومي وبالرجوع إلى أحكام المادة 29 من قانون 83/11 فإن المدة التي تنقطع فيها المرأة العاملة عن عملها للولادة قانونا تقدر بـ 14 أسبوعا متتالية.
و تتم الآداءات العينية للمرأة العاملة في حالة الأمومة في تعويض الصاريف المتعلقة بـ:
أ.تعويض المصاريف الطبيبة والصيدلانية.
ب.تعويض مصاريف إقامة الأم والمولد بالمستشفى على نفس الأساس لمدة أقصاها 08 أيام.
3.التأمين على الوفاة:
الهدف من هذا التأمين هو إفادة ذوي حقوق المؤمن له يقصد بهم:
زوج المؤمن له، والأولاد المكفولين الذين يقل عمرهم عن 18 سنة وكذلك الأولاد الذين يقل سنهم عن 21 سنة ويواصلون الدراسة، وكذلك البنات دون دخل أيا كان سنهم، وكذلك الأولاد الذين يتعذر عليهم ممارسة أي نشاط مأجور بسبب عاهة أو مرض مزمن مهما كان سنهم وأصول المؤمن له أو أصول زوجه.
4.التأمين عن العجز:
إن الهدف من هذا التأمين هو منح المعاش للمؤمن له، الذي يضطر. العجز إلى الإنقطاع عن عمله ، ويكون للمؤمن له الحق في معاش العجز عندما يصاب بعجز يذهب بنصف ½ قدرته عن العمل أو الكسب.
5.التأمين عن التقاعد:
يستفيد من معاشات التقاعد كل العمال، الموظفين وكذا أصحاب المهن الحرة أي الأشخاص الطبيعيون الذين يمارسون نشاطا لحسابهم الخاص. وتتمثل الحقوق الممنوحة في مجال التقاعد حسب نص المادة من القانون 83/12 المؤرخ في 02 جويلية 1983 والمتعلق بالتقاعد المعدل والمتمم في: المعاش المباشر الذي يمنح للعمال بالذات على أساس نشاطه وقد يضاف إليه زيادة عن الزوج المكفول الذي هو على قيد الحياة.
-المعاش المنقول: وهو يتضمن المعاش المقرر للزوج الباقي على قيد الحياة ومعاش اليتامن ومعاش الأصول فهذا المعاش لا يمنح للعمال إذ أنه يحول لذويه وهو ما يتحقق طبعا بعد وفاة العامل.


6.التأمين على البطالة:
يضمن التأمين على البطالة للأجراء المسرحين دخلا يعوضهم عن أجرهم المفقود وسياعدهم في إنتظار إعادة إدماجهم في الحياة العملية في أحسن الظروف الممكنة، ولقد كانت الغاية الأولى من هذا الإجراء (النظام) عند إنشاءه هي ضمان مدخول أدنى أو مدخول تعويض للعمال الذين فقدوا منصب عملهم بصفة لا إرادية، وتعتبر البطالة خطرا إجتماعيا يخضع للتعويض كباقي الأخطار الاجتماعية الآخرى .
ثانيا : المعارضات الناجمة عن عدم تنفيذ إلتزامات المستخدم:
يقع على عاتق المستخدم مجموعة من الإلتزامات وجب عليه إحترامها ويترتب عن عدم القيام بها نتائج ويظهر ذلك فيما يلي:
أ.عدم التصريح بالشاط: بعد قطاع الضمان الإجتماعي الوسيلة الوحيدة التي تعتمدها الدولة لتنفيذ سياستها الإجتماعية، وهذا ماجعل المصالح الحكومية في مختلف مستوياتها تهتم بالتوازن المالي لهيئات الضمان الإجتماعي، وفي إطار المهام المسندة لهيئات الضمان الاجتماعي، فإن عدم التصريح بالنشاط يؤدي إلى فرض عقوبة مالية تقدر بـ 2000دج أي بقيمة 10% عن كل شهر تأخير وتجمعغ هذه العقوبات من طرف هيئة الضمان الإجتماعي بنفس الشكل الذي تتم به الإشتراكات .
فالمستخدمون وجب عليهم أن يقدموا لهئية الضمان الإجتماعي المختصة إقليميا تصريح مرفوق بكل الوثائق الموضحة والمبينة للنشاط:
-مرسوم إنشاء المؤسسة.
-عقد رسمي لإنشاء المؤسسة.
السجل التجاري.
-الرقم الجبائي........إلخ.
ب.عدم دفع مستحقات الضمان الاجتماعي:
و هو إلزام يقع على عاتق صاحب العمل وذلك بإقتطاع الإشتراك من أجر العامل ولا يجوز لهذا الأخير الإعتراض وتدفع الإشتراكات دفعة واحدة من طرف صاحب العمل إلى هيئة الضمان الاجتماعي في ظرف ثلاثيون (30) يوما الموالية لكل ثلاثة أشهر إذا كان صاحب العمل يستخدم أقل من 10 عمال في ظرف 30 يوما لمرور كل شهر إذا كان يستخدم أكثر من 09 عمال. ويؤدي عدم إشتراكات الضمان الإجتماعي إلى زيادة تقدر بـ 05 % عن مبلغ الإشتراكات المستحقة وتحصل هذه الزيادة هيئة الضمان الإجتماعي نفس طريقة الإشتراكات وترفع الإشتراكات الرئيسية بنسبة 1% عن كل شهر تأخير إظافي وتسري مهلة الشهر الجديد إبتداءا من تاريخ إستحقاق الدين.
و إذا لم تنفذ العقوبات التي أصدرتها هيئة الضمان الاجتماعي خلال 03 أشهر إبتداءا من تاريخ اليوم للتبليغ، فإنه يحق لها أن تطالب قضائيا ليأمر بدفع مبلغ المستحقات وغرامة مالية بقدر يساوي 10 % من الإشتراكات المستحقة وزيارة بنسبة 2 % من كل شهر تأخير.
و يعفى من دفع إشتراكات الضمان الاجتماعي أصحاب معاش أو ربح يساوي أو يقل عن الأجر الوطني الأدنى المضمون، ولا تطبق إقتطاعات الاشتراكات على حوادث العمل التي حدثت أثناء الأعمال التالية:
-أعمال التفاني من أجل الصالح العام أو إنقاذ شخص في خطر
-عمل تطوعي مرتبط بهيئة الضمان الاجتماعي.
ج.عدم التصريح بالأجور:
يتعيين على صاحب العمل أن يوجه في طرف 30 يوما التي تلي إنتهاء كل سنة مدينة إلى هيئة الضمان الاجتماعي تصريحا بالأجور والأجراء يبين الأجور المتقاضاة بين أول يوم وىخر يوم من الثلاثة أشهر وكذا مبلغ الإشتراكات المستحقة طبقا للمادة 14 من القانون 83/14 ومخالفة هذا الإلتزام من طرف المستخدم في الأجال المحددة يمنح لهيئة الضمان الاجتماعي إضافة 05 % إلى مبلغ الإشتراكات المحددة بصفة مؤقته كما يؤدي عدم الدفع إلى دفع غرامة مالية بهيئة الضمان الإجتماعي قدرها 10% وزيادة بنسبة 02% عن كل شهر تأخر طبقا للمواد 15-16 من القانون 83/14.
المطلب الثاني : المنازعات الطبية
إن تعرض الأشخاص المؤمن لهم اجتماعيا في حياتهم اليومية بصفة عامة والمهنية بصفة خاصة إلى مخاطر اجتماعية ، يتطلب حتما القيام بالفحوصات الطبية اللازمة أمام أشخاص مؤهلين لذلك كالأطباء المتخصصين في مختلف مجالات الطب ، غير أن أراء هؤلاء الأطباء المعالجين غالبا ما يلقى معارضة عند الأطباء المستشارين لدى هيئات الضمان الاجتماعي وهذا بطبيعة الحال ما يولد منازعات في قرارات هذه الهيئات من طرف المؤمنين لهم اجتماعيا، ويصف القانون هذه المنازعات بأنها منازعات طبية ومنه يتعين علينا تحديد تعريف هذه المنازعات في (الفرع الأول) ، وفي (الفرع الثاني) نتطرق إلى مجالات تطبيقها .
الفرع الأول : تعريف المنازعات الطبية
لم يعط المشرع الجزائري أي تعريف دقيق وشامل للمنازعات الطبية ، بل حصر هذه المنازعات في الخلافات المتعلقة بالحالة الطبية للمستفيدين من الضمان الاجتماعي وذوي حقوقهم ، وهو ما جاء به نص المادة الرابعة (04) من القانون رقم 83/15 المتعلق بحوادث العمل والأمراض المهنية والتي تنص "تخص المنازعات الطبية بكل الخلافات المتعلقة بالحالة الطبية للمستفيدين من الضمان الاجتماعي وكذلك لذوي حقوقهم ".
فالقانون لم يعرف النزاع الطبي وإنما اكتفى بتحديد عناصر الخلاف وهم المؤمن لهم أو ذوي حقوقهم من جهة وهيئات الضمان الاجتماعي من جهة أخرى . وبما أن المنازعات الطبية مسالة تقنية فان تسوية الخلافات التي بها تتم في إطار الخبرة الطبية التي يستعان بها من أطباء متخصصين لمراقبة حالتهم الصحية ، ولتقدير نسب العجز ، أو أسباب الوفاة الناجمة عن حادث عمل أو مرض مهني...وغيرها .
وهذا ما ذهب إليه قانون الضمان الاجتماعي الفرنسي ، مؤكدا اللجوء إلى رأي ثالث يفصل في النزاع عن طريق اللجوء إلى طبيب خبير باختيارهما .
الفرع الثاني : مجالات تطبيق المنازعات الطبية
لما كانت المنازعة الطيبة تشمل جميع الإعتراضات المتعلقة بمسائل العجز الذي يترتب عن المرض أو حادث أو المرض المهني، ولذا كان لابد من معرفة الحالات الكونه جوهر الخلاف في النزاع الطبي يكمن موضوعه في العجز، وهذا مرتبط بهذه الحالات والأوضاع المرتبطة بالحالة الصحية للمؤمن له.
أولا : حالة المرض
تنص المادة 18 من القانون 83/11 المتعلق بالتأمينات الاجتماعية على وجوب إشعار هيئة الضمان الاجتماعي بكل مرض يلحق بالعامل والذي من شانه أن يخول له الحق في تعويضات يومية ، إلا إذا حالت دون ذلك قوة قاهرة . ويعد المرض من الحالات الصحية التي تدخل في إطار المنازعة الطبية، لأنه يتعلق بالحاجة الصحية للمؤمن لهم والذي يمثل مجالا واسعا باعتباره أكثر الحالات التي قد تصيب أو تحدث للمؤمن لهم .
و المصاريف المرضية المتكفل بها كثيرة ومتنوعة نذكر منها: العلاج ، الجراحة الأدوية الصيدلانية ، الإقامة بالمستشفى ، الفحوص البيولوجية،علاج الأسنان... الخ .
كما يجب ان تكون كل الأدوية والعطل المرضية للتوقف عن العمل بوصفة من الطبيب ،و لتعويض مصاريف العلاج الصحي يتطلب ملأ ودقة العلاج الطبي من طرف المؤمن له والطبيب، أما مصاريف العلاج الطبي فيجب تقديم بيان والتكفل يستخرج من هيئة الضمان اإجتماعي. ويتعين على المؤمن له تقديم وصفة طبية للتوقف عن العمل في نسختين واحدة للمستخدم والثانية لهيئة الضمان الاجتماعي.
ثانيا : حادث العمل
بمفهوم المادة 12 من القانون 83/13 والمادتين 7و8 من نفس القانون المعدلتين بالمادتين 2و3 من الأمر 96/19 المؤرخ في 06 جويلية 1996 المعدل والمتمم بالقانون 83/11 ، يعتبر حادث عمل كل حادث انجرت عنه إصابة بدنية ناتجة عن سبب مفاجئ وخارجي طرا في إطار علاقة العمل.
و يعرف حادث العمل بأنه الحادث الذي يطرأ أثناء المسافة التي يقطعها المؤمن له للذهاب إلى عمله أو الإياب منه بشرط ألا تكون المسار قد انقطع أو انحرف إلا إذا كان ذلك بحكم الاستعجال أو الضرورة أو لأسباب قاهرة منها المسار المضمون بين مكان العمل ومكان الإقامة .
كما عرف جاك دوبلي JAQUES DOUBLET بأنه الحادث الذي يصيب الأجير أثناء تواجده تحت تبعية ورقابة المستخدم .
ثالثا: المرض المهني
تنص الفقرة الثانية في المادة 71 من القانون 83/13 انه "يجب التصريح بكل مرض مهني يتطلب تعويضه لدى هيئة الضمان الاجتماعي في مدة أدناها خمسة عشر (15) يوما وأقصاها ثلاثة (03) أشهر التي تلي المعاينة الطبية الأولى للمريض" فالمرض المهني هو ذلك المرض بينت التجربة انتشاره بين محترفي مهنة معينة وهذا نتيجة اتصال العمال ببعض المواد التي تسبب تلك الأمراض أو قيامهم ببعض الأعمال التي يترتب عليها ، فبالمفهوم القانوني يقصد به كل التسمم والتعفن والاعتلال التي تعود إلى مصدر أو تأهيل مهني خاص، أي أنه يجب أن تقوم علاقة سببة بين المرض وطبيعة العمل المؤدى.
المطلب الثالث: المنازعات التقنية ذات الطابع الطبي :
إن التطور الذي عرفه الضمان الاجتماعي خلق تميزا وتنوعا في مجال المنازعات المترتبة عنه كما سبق ذكر ذلك ، ومن بينها المنازعات التي توصف بأنها منازعات تقنية ذات طابع طبي إذ أن الفرد المؤمن له لدى هيئات الضمان الاجتماعي عند تعرضه لخطر اجتماعي كالإصابة بمرض مهني أو عجزه عن العمل يتوجب عليه في اغلب الأحيان إجراء فحوصات طبية تتم إلا أمام أشخاص مؤهلين لذلك كالأطباء والذي تكون أعمالهم عرضة للأخطاء من حيث تحديد نوع الإصابة أو نسبة العجز أو في تقدير قيمة التعويض للوصول إلى إعداد خبرة وافية تمكن المؤمن له معرفة سبب العطل عن العمل أو نسبة النقص في مردوديته (العامل أو الموظف) وعدم رضائه عن هذه التقارير يؤدي حتما إلى قيام المنازعة فيها ،لهذا تعرض هذه النزاعات على مختصين في المجال التقني للفصل فيها لذلك وجب التطرق إلى تعريف المنازعات التقنية ذات الطابع الطبي (الفرع الأول) وتحديد مجالاتها (الفرع الثاني) .
الفرع الأول: تعريف المنازعات التقنية ذات الطابع الطبي :
لقد كان التطور المستمر للقوانين التأمينية في مجال الضمان الاجتماعي اثر تطور المنازعات الناشئة عن العلاقة بين المؤمن له وهيئة الضمان الاجتماعي ،غير أن غياب تعريف واضح للمنازعة التقنية يجعلنا نتجه صوب التقنيات التأمينية لمحاولة إيجاد تعريف لهذه المنازعة حتى نميزها عن غيرها من المنازعات الأخرى بالرجوع إلى التشريع الجزائري خاصة القانون 83/15 المتعلق بمنازعات الضمان الاجتماعي المعدل والمتمم في المادة الخامسة (05) منه بنصها على انه "تختص المنازعات التقنية بكل النشاطات الطبية ذات العلاقة بالضمان الاجتماعي" ويظهر لنا أن هذا التعريف انه ينطوي على نوع من الغموض والعمومية حيث يفهم أن هذه المنازعات التقنية تشمل كل الأشخاص الذين يمارسون نشاطا طبيا سواء كانوا أطباء ،أو صيادلة أو جراحو الأسنان.....فالمشرع عرف المنازعات التقنية بالنظر إلى موضوعها وهي النشاطات الطبية ذات العلاقة بالضمان الاجتماعي والتي تكون محلا للمنازعة التقنية بالرجوع إلى الأخطاء الطبية التي تقع من الأطباء الممارسين وكل ما يدخل معهم في هذا الجانب كالصيادلة.وأمام هذه العمومية والغموض هناك من حاول إعطاء تعريف للمنازعة التقنية من بينهم البروفيسور حنوز مراد (المختص في الطب الشرعي ) والطبيب الشرعي خدير محمد بقولهما : "المنازعات التقنية هي المنازعات التي تخص السيرة المهنية للأطباء ، والقابلات ، والمساعدين الطبيين بمناسبة فحص المؤمنين لهم اجتماعيا ، وتتمثل هذه الأخطاء وحالات التعسف والغش التي قد تقع أثناء ممارسة المهنة ".
ورغم هذه التعريفات تبقى قاصرة في وضع الأطار المحدد للمنازعات التقنية حتى تتميز بصفة واضحة عن باقي المنازعات الأخرى المتعلقة بالضمان الاجتماعي .
الفرع الثاني : مجالات تطبيق المنازعات التقنية:
لتحديد وحصر مجال تطبيق المنازعات التقنية يستوجب علينا الرجوع إلى نص المادة الخامسة (05) من القانون 83/15 والتي كان من المفروض أن تحدد نوع المخالفات المرتكبة عند مزاولة النشاط الطبي والتي تنشا عنها المنازعات التقنية في مجال الضمان الاجتماعي، وأمام هذا النقص وجب الرجوع إلى مدونة أخلاقيات الطب التي عرفت الخطأ الطبي بأنه الأفعال المعاقب عليها وبأنها "جميع الأخطاء والتجاوزات المرتكبة أثناء ممارسة الأطباء الجراحين ، أطباء الأسنان ، الصيادلة لمهامهم والتي تشكل خرقا للمبادئ والقواعد والأعراف المعمول بها في المهنة ومن بينها نذكر ما يلي :
1- بالنسبة للأطباء وجراحي الأسنان .
- تقديم الطبيب أو جراح الأسنان وصفات طبية في نطاق ما ينسجم مع نجاعة العلاج
- عدم القيام بكل أعمال التشخيص والوقاية والعلاج اللازمة .
- تقديم وصفات طبية أو علاج في ميادين تتجاوز اختصاصاتها .
- إفادة المريض بمعلومات غير واضحة وصادقة بشان أسباب كل عمل طبي .
- عدم الاحتفاظ بالسر المهني المفروض لصالح المريض والمجموعة إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك.
2- بالنسبة للصيادلة :
- التعليق الطبي على نتائج التحاليل التي يطلبها المريض وهذا ما جاءت به المادة 147 من مدونة أخلاقيات الطب.
- تقديم تشخيص أو تنبؤ بشان المرض.
- قيام الصيدلي بالرد بغير حذر على ما يطالبه المريض لمعرفة طبيعة المرض المعالج وقيمة الوسائل الاستشفائية الموصوفة أو المطبقة طبقا لنص المادة 146 من مدونة أخلاقيات الطب .








خلاصة:
و كخلاصة للفصل نود أن نشير إلى أن المفهوم الخاص بالتأمين الاجتماعي يختلف من دولة إلى أخرى الإختلاف المستوى الاقتصادي والاجتماعي فيها وتحدد قوانين وتشريعات التأمينات الاجتماعية فروع التأمين الاجتماعي بها، ولا تقف فروع هذا النوع عند حد معين بل إنها في تغير من وقت لآخر، تشتد الحاجة إلى هذا النوع من التأمين بها، وبناءا على تقرير اللورد بفردج الذي يهدف إلى توفير الحماية الاجتماعية ومؤكدا على حق كل فرد من أفراد المجتمع في التأمين الاجتماعي كان له ، لأثر البالغ في إنتشار التأمين الاجتماعي في معظم دول العالم، مهما كان مذهبها السياسي والاقتصادي وأن كان مجال ونطاق تطبيقها يختلف بإختلاف هذه الدول من دولة إلى أخرى.
و ما كان نظام التأمين الاجتماعي بفروعه المختلفة يعتبر الأسلوب الأمثل حاليا لمواجهة مختلف المخاطر حيث تعمل هذه النظ على حل وتسوية هذه المشاكل بالنسبة للطبقة العاملة التي تعمد على اجورها كمصدر للدخل بالعمل على تعويضها على الخسائر المادية التي تواجهها نتيجة لخطر طبيعي كما هو الحال بالنسبة لحالات الشيخوخة والعجز والوفاة أو المرض أو نتيجة لخطر متعلق بالمهنة كما هو الحال بالنسبة لحالات إصابات العمل والأمراض المهنية أو قد يكون نتيجة خطر إقتصادي كما هو الحال بالنسبة لحالات البطالة والأعباء العائلية.
و مع هذا التوافق بين نظام التأمين الاجتماعي بجميع فروعه الهادف إلى حماية الفراد من المخاطر الاجتماعية وبين عملية تقديم خدماته قد تنشأ خلافات بين هيئة الضمان الاجتماعي والمؤمن له وكحل لهذه الخلافات ظهرت بعض النظم تضمن للعمال حقه وبالتالي حل مشاكله سواء بالتراض بين الأطراف أو من طرف جهات أخرى.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://heddadji.kalamfikalam.com
 
التطور التاريخي للضمان الإجتماعي ومنازعاته
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
HEDDADJI MOHAMMED BOUHALLOU :: الفئة الأولى :: مذكرات للتخرج-
انتقل الى: