منتدي لكل المسلمين و من يريد العلم
 
المذكرات التخرجالرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أغراض القصص القرآني1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
heddadji
Admin
avatar

عدد المساهمات : 25
تاريخ التسجيل : 28/04/2008
العمر : 40

مُساهمةموضوع: أغراض القصص القرآني1   الجمعة 17 أغسطس 2012, 16:36


الفصل الثالث
الخطاب القصصي والغاية التربوية

‌أ. تثبيت الرسول ودعوته إلى التأسي.
‌ب. طرق التثبيت وأساليبه.
1- بيان اتحاد موقف الملإ في محادّة الرسل عبد العصور.
2- رعاية المؤمنين وهلاك المكذبين.
3- بيان نعم الله على أنبيائه وأصفيائه.
4- التبشير و التحذير.
‌ج. استدراك وتعقيب.








أ- تثبيت الرسول ودعوته إلى التأسي:
رأينا في الفصل السابق أن الأديان السماوية وحدة متكاملة لا انفصال بينها، وأن أصل العقيدة ثابت لا تطور فيه، و من هذا المنظور يلتقي السابق باللاحق من حيث الإيمان، وأن مصدر الدين واحد هو الله. ونتناول في هذا الفصل موضوعا آخر من موضوعات القصص القرآني ومقاصده، وهو تثبيت قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- وبث الأمل في نفسه بالنصر، ودعوته إلى التأسي. مع عرض جملة الوسائل و السبل التي كان يثبت بها الله رسوله ومن معه من المؤمنين.
إنّ المتعارف عليه بين جميع الدارسين للآداب و الفنون هو أنّ القصة الفنية من أقوى ألوان الفنون تأثيرا في النفوس و العقول، و في نظر بعضهم أن » هذه الوظيفة التي تؤديها الفنون جميعا ومنها الأدب، تنتهي عند عمليتي الإيحاء و الإفاضة. فتلك وظيفتها الاجتماعية، و ذلك هو دورها الذي تلعبه في الحياة « .
فالغرض الأساس من ذكر قصص الأنبياء في القرآن، أن يتخذه الرسول –صلى الله عليه وسلم- و من معه من المؤمنين نبراسا يسيرون على هديه، و أن يجعلوا من حياة هؤلاء الرسل الكرام مثلا في الاقتداء و الثبات.
إذ كان من مقاصد القصص القرآني تخفيف الضغط على النبي، و رد الثقة إلى نفسه، و بث الطمأنينة في قلبه، و إزالة الهم و القلق و الضيق الذي يجده في صدره، من جراء تلك المضايقات التي كان يلقاها من الناس، و الإعراض عن دعوته.
و قد أشار الرازي إلى هذه الغاية التربوية من القصة القرآنية حين رأى أن القرآن ما قص ذلك القصص إلا » ليكون للرسول -عليه الصلاة والسلام- و لأصحابه أسوة بمن سلف من الأنبياء؛ فإن الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع الرسل ما كانت إلا على هذا خف ذلك على قلبه كما يقال المصيبة إذا عمت خفت « .
و هكذا، يبدو أن القرآن قد ربط بين مسيرة النبي في الدعوة و بين القصص المنزل عليه، فلكي يثبته على تحمل ضخامة المسؤولية الملقاة عليه، كان » يأتيه بالزاد من خلال عرض تجارب أسلافه السابقين من الرسل الكرام مع إخوانهم، و كيف كانت العاقبة لهم و لأتباعهم « .
و قد نصّ القرآن على هذا الغرض نصا صريحا في بيانه:  وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ  .
و يبدو أن هذه الآيات، تسجل غرضا من أغراض القصص القرآني واضحا، هو تثبيت النبي –صلى الله عليه وسلم- و طمأنته، كما أنها خطاب له عن حكمة سوق القصص إليه في خاصة نفسه و لمن معه من المؤمنين، كما يقول سيد قطب.
و لكن السؤال الذي يطير إلى الأذهان، هو: على أي شيء يثبته؟ و بم يكون ذلك التثبيت؟
و الجواب، أنه من المعلوم؛ أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- لقي عنتا كبيرا، و لججا كثيرا، و أذى جسيما من قومه و هو يواجههم بما أنزل الله عليه من وحي. و هو الأمر الذي كان يعترك في نفسه أسى، و يملأ صدره غيظا. و ذلك ما عبّر عنه قوله تعالى:  قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ، فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ. وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ، فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ  .
و الخطاب هنا، يوجه إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بسبيل تثبيته و تسريته، و تسليته، مما يجده من أعباء الدعوة وانحرافات النفوس. و دعوته إلى التأسي و الصبر، كما صبر الرسل الذين كذبوا قبله، و عدم اليأس، لأن نصر الله يأتي حتى و إن تأخر، و أن إهلاك المكذبين حقيقة لا ريب فيها، و أن الله سيسبغ نعمته عليه كما أسبغها على الذين من قبله. و ليس له من الأمر إلا التذكير و التحذير.
إذاً، هذه التي سبق ذكرها هي جملة الوسائل و السبل التي كان الله يثبّت بها رسوله –صلى الله عليه وسلم- و العصبة المؤمنة معه.
ويرى سيد قطب أن القصص القرآني، كان بين الفينة و الأخرى، يرجع إلى الرسول –صلى الله عليه وسلم- بالتسلية عما يلقى، و التسرية عما يجد من إعراض و ضلال.
و من هذا الوادي كل ما جاء من قصص في سورة الأعراف، و يونس، و هود، و إبراهيم، و الشعراء، فهو وارد في سياق التسرية عن الرسول –صلى الله عليه و سلم- مما كان يلاقيه، إذ يصور موقف مشركي قريش من الدعوة الجديدة، و آثار هذا الموقف في نفس الرسول –صلى الله عليه وسلم- و القلة المسلمة معه. و العلاج القرآني الرباني لهذه الآثار.
فبعض هذا القصص نزل في أقسى الفترات التي مرت بها الدعوة في مكة، و هي الفترة التي تلت وفاة أبي طالب و خديجة، و قصة الإسراء، و جرأة المشركين على الرسول –صلى الله عليه وسلم- و توقف حركة الدعوة تقريبا.
و واضح أن هذا التحدي، و هذا العناد من قريش، كان إلى الحد الذي يضيق به صدر الرسول –صلى الله عليه وسلم-، بحيث يحتاج إلى التسرية عنه، و التثبيت على ما يوحى إليه.
في هذه الفترة بالذات تأتي سورة يونس و سورة هود تعرضان جملة من قصص الأنبياء، و ما تعرضوا له من قبل أقوامهم، و ما جاء في هذا القصص من مواقف الملإ من رسلهم، أشبه بموقف المشركين من الرسول في مكة في هذه الفترة الحرجة، و مقتضياتها الواضحة.
و آثار هذه الفترة الحرجة، و جوها و ظلالها واضحة في هاته السور، و بخاصة ما يتعلق بتثبيت رسول الله -صلى الله عليه و سلم- والذين معه على الحق؛ و التسرية عنه مما يساور قلبه من الوحشة و الضيق و الغربة في المجتمع الجاهلي.
و يرى سيد أن من سمات هذه السور عرض مواقف الرسل –عليهم السلام- و هم يتلقون الإعراض و التكذيب، و السخرية و الاستهزاء، و الإيذاء، بالصبر و الثقة و اليقين بما معهم من الحق. و في ذلك كله تثبيت لقلب النبي –صلى الله عليه وسلم– و تسرية عنه بما أصاب إخوانه الكرام قبله؛ و دعوته إلى التأسي بمن سبقه من الرسل على ما يجد من إعراض و صدّ .
و في كثير من الأحيان لا يكون استعراض القصص للتقصي و التفصيل في أحداث التاريخ، و إنما يكون لتقرير الرسالة الواحدة، و التكذيب المكرور، و الاستقبال الواحد، الذي لقيه هؤلاء الرسل الكرام مع أقوامهم.
و كثيرا ما يتوجه الله بهذا القصص إلى الرسول –صلى الله عليه وسلم- يسليه به، و يخفف عنه ما يجده من ضغط معنوي و مادي. و يجعل له، كما يقول سيد قطب، أسوة في الرسل الذين مروا قبله ممن صبروا على الأذى و التكذيب حتى جاءهم نصر الله، وفق سنة لا تتبدل و لا تتغير.
و هناك آيات كثيرة في القرآن الكريم، نزلت بغية التسلية عن الرسول الله – صلى الله عليه وسلم- و التسرية عنه عما يلقى من تكذيب، و عما يجد من إعراض. من ذلك قوله تعالى:  ...إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ، وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ. إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ. إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ. وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ. ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ .
و في هذه الآيات، على حد تعبير سيد قطب، تقرير حدود عمل النبي -عليه السلام- و واجبه في دعوته إلى الله. و ترك ما تبقى بعد ذلك لله يفعل ما يريد. كما أن هذا النص الديني يلفت ذهن النبي إلى أن ما يلقاه من قومه من عنت و تكذيب و إعراض، ليس عن تقصير منه، و لا عن نقص في الدليل، و إنما تلك هي طبيعة أمم كثيرة في استقبال الرسل، و هو أمر ماض مع سنة الأولين؛ و ليس جديدا أو فريدا. و في هذا الإيماء بما وقع لإخوانه الرسل قبله من المحن، و ما وقع منهم من الصبر و الاحتمال، تطييب لخاطره مما يلاقيه من تكذيب و أذى، و هو الصادق الأمين .
لقد قصد القرآن إلى تربية الرسول – صلى الله عليه وسلم- و حثه على الصبر، فكانت عملية القصص، كما يقول أحد الدارسين، في مثل هذه الظروف الحرجة التي كانت تمر بها الدعوة في بداية الأمر » من العمليات التي يقصد من ورائها القرآن تثبيت قلب النبي – عليه السلام- و قلوب المؤمنين، و رد الثقة إلى أنفسهم... فكانت النتيجة التالية بكل هذا، هي ذلك الصبر الطويل و الثبات الذي وصل بهم في النهاية إلى النصر على الأعداء و المعارضين « .
و هكذا يتضح أنه من أهداف القرآن تثبيت النبي –عليه السلام- و من معه من المؤمنين على لزوم الدعوة إلى الحق، و يتجلى هذا الغرض بصورة جلية في قصص الرسل، الذي يتبين من خلاله صبر أولئك الرسل و مثابرتهم على أذى أقوامهم. و قد استعمل القرآن لتحقيق ذلك طرقا و سبلا كثيرة، كما سنرى وشيكا في العنصر الموالي.

ب- طرق التثبيت و أساليبه:
1. بيان اتحاد موقف المللإ في مُحادّة الرسل عبر العصور:
و من جملة الوسائل و السبل كذلك، التي كان الله يثبت بها الرسول و من معه من المؤمنين، تبيان موقف الناس المشترك من الدين والرسل. و عليه، فقد بين الله لنبيه ذلك الموقف، حيث أشار في كثير من قصصه إلى موقف الأمم و الأفراد من الأنبياء، فقد كان في كثير من الأحيان موقفا متشابها. موقف التكذيب و الجحود، و موقف العناد و الاستكبار؛ و في ذلك إيناس و عزاء لنبيه الكريم.
و من هنا، كان لهذا العرض القصصي أغراض و أبعاد دينية، لأن في سرد قصة رسول من رسل الله الكرام السابقين، و كيف واجه كبراء قومه، و صبر على أذى سفهائهم؛ ذلك كله فيه تسلية و مواساة للنبي و من آمن معه، ليصبروا على ما نزل عليهم من أذى، كما صبر الذين من قبلهم، حتى أتاهم نصر الله.
و قد جال القصص القرآني جوالات متعددة في أخبار السابقين الذين عاندوا رسل الله، و صدّوا عن دينه. و استعرض من خلال قصص الماضين، و أطواء التاريخ، مواجهة الجاهلية لهذا الدين بموقف واحد مكرور على مدار القرون، و كأنما المكذبون هم المكذبون، و المعاندون هم المعاندون، و كأنما عقليتهم واحدة، و طبيعتهم واحدة على مدار الزمان، على حد تعبير سيد قطب .
و في مواطن كثيرة من الظلال، اعتبر سيد قطب، أن التكذيب و الإعراض و الاستهزاء سنة مطردة في الرسالات كلها، إذ وقفت البشرية من رسلها موقفا واحدا، و أجابت جوابا واحدا، تكاد ألفاظه و عباراته تتوحّد و تتحد على مر القرون، و كر الدهور.
و مرجعيته فيما يذهب إليه من رأي، كثرة النصوص الدينية في هذا الصدد، و من ذلك ما قاله الله مخففا الضغط عن النبي –صلى الله عليه وسلم- و مسليا له مما يعانيه:  مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ، إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ  .
و لئن كان بعض المفسرين السابقين يعلق على هذه الآية تعليقا خفيفا، و يشير إلى غرضها الديني إشارة عابرة، من غير أن يتوسع في ذلك، أو يتعمق في مغزاها، مكتفيا بظاهرها؛ فإن سيد قطب ينظر إليها من حيث دلالتها العقيدية و التربوية، فيرى أنها تشير إلى وحدة العقيدة، و وحدة الرسالة؛ و يستدل على فهمه هذا، بذلك الاستقبال الواحد من البشرية، و التكذيب الواحد، و الاعتراضات الواحدة، لأن في رأيه، لا يكون موقف البشر –على مدار التاريخ- موقفا واحدا متشابها، على أمر ما، أو قضية ما، إلا إذا كان ذلك الأمر هو نفسه، أو كانت تلك القضية هي ذاتها. و من ثم يقرر وحدة الدين انطلاقا من وحدة الموقف و الاعتراض .
و من النصوص القرآنية التي تبين أن طبيعة المعرضين عن الهدى واحدة؛ قوله تعالى:  وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ، وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ، وَقَوْمُ لُوطٍ، وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ، وَكُذِّبَ مُوسَى، فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ، فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ  . فهي، كما يرى سيد قطب، سنة مطردة في الرسالات جميعها، قبل رسالة محمد –صلى الله عليه و سلم- الأخيرة، أن يأتي الأنبياء و الرسل بالآيات البينات، فيكذب بها المكذبون، و يعترض على أصحابها الكبراء. و في هذا إيماء إلى الرسول –صلى الله عليه وسلم- بأنه ليس بدعا من الرسل حين يكذبه قومه من مشركي مكة و كفارها؛ بل يطمئن قلبه و يثبت على دعوة الحق حين يعلم أنها سنة مطردة، و أن العاقبة للمتقين .
و في تضاعيف السرد التاريخي لأخبار الرسل الوارد ذكرهم في سورة الصافات، و هم نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، و موسى، و هارون، و إلياس، و لوط، و يونس، و هي قصص يجول القرآن فيها بالنبي في تاريخ الأمم و الشعوب، و آثار الذاهبين الأولين، قصد تثبيته. إنها على حد تعبير سيد قطب، جولة » يعرض فيها قصة الهدى و الضلال منذ فجر البشرية الأولى، فإذا هي قصة مكرورة معادة؛ و إذا القوم الذين يواجهون الرسول –صلى الله عليه وسلم- في مكة بالكفر و الضلال بقية من أولئك المكذبين الضالين. و يكشف لهؤلاء عما جرى لمن كان قبلهم، و يلمس قلوبهم بهذه الصفحات المطوية في بطون التاريخ، و يطمئن المؤمنين برعاية الله التي لم تتخل في الماضي عن المؤمنين « .
و من أنجع الطرق التي اتبعها القرآن الكريم في تثبيت الرسول –صلى الله عليه و سلم- و دعوته إلى التأسي، سوقه لكثير من القصص التي تبين عن مواقف الناس المشتركة من الدين و الرسل؛ لأن، في نظرنا، تشابه الأحوال و استواء المواقف تنقذف منها عبرة بالغة الأهمية، من شأنها أن تهدئ الروح، و تثبت الأقدام على الحق، » و تلك هي عملية الإفاضة و الإيحاء التي يقول بها المحدثون من النفسانيين، و التي تحدثوا عنها حين تحدثوا عن عمل العقل في الفن، و عن الوحي العاطفي و الوحي الفكري الذي يوحيه الفن « .
و يستدل سيد قطب على أنه كان من أغراض القصة القرآنية بيان أن وسائل الرسل و الأنبياء في الدعوة موحدة، و أن استقبال أقوامهم لهم متشابه، بما كان يرد من قصص كثير عن الأنبياء مجتمعا في سورة واحدة، مكررة فيها طريقة الاستقبال؛ على نحو ما جاء في سورة هود، على لسان قوم نوح:  فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ: مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ، وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ، بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ .
و على لسان قوم صالح: ...قَالُوا: يَاصَالِحُ، قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا. أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا؟ وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ  .
و على لسان قوم عاد:  قَالُوا: يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ، وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ، وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، إِنْ نَقُولُ: إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ  .
وهكذا، يتجلى لنا أن طبيعة المعرضين عن الهدي واحدة، وأن حجتهم مكرورة معادة، كأنها جملة واحدة يتعارف عليها المعرضون في جميع العصور!! وأن رد العلية من كبار القوم المتكبرين، يكاد يكون الرد نفسه، كما حكاه عنهم القصص القرآني، على الرغم من تباعد الزمان والمكان.
وما استهدفه القصص من هذا التماثل في المواقف، والتشابه في الأقوال، كما يتبادر إلى الذهن، هو زيادة في قوة التأثير في المكذبين والمعارضين من جهة، وفي تسلية النبي و تطمينه مع المؤمنين به من جهة أخرى.
ولعل الذي دفعنا إلى ما تقدم هو كثرة هذه الأقوال والمواقف المتشابهة المعروضة في القصص القرآني، التي لم يكن لها إلا مقصد واحد هو بيان حاجة الرسول إلى التثبيت والتسلية، وإلى نماذج كثيرة من سير الرسل والأنبياء السابقين، لأن معرفة ما لاقاه هؤلاء الرسل والدعاة المصلحون من أذى في سبيل الدعوة، تمكن الداعي من إعداد القوى المادية و الاستعداد النفسي.
2. رعاية المؤمنين و هلاك المكذبين:
لو استعرضنا موضوعات القصص القرآني، لوجدناها تتحدث كذلك، عن نصر المؤمنين، و هلاك المكذبين. فكلما احتدم الصراع، بين الحق والباطل؛ و قام على سوقه؛ فإنه يكون النصر في النهاية للرسل، و الهلاك للمكذبين.
و نعتقد أنه لهذه الغاية جاء في القرآن الكريم كثير من القصص الذي يتحدث عن انتصار مبدإ الأنبياء و اعتزاز جانبهم، و تغلبهم على أعداء دعوتهم و دينهم. إذ أعانهم الله بإهلاك المكذبين لهم، و إزاحة الواقفين في طريق دعوتهم. و ذلك مصداقا لقوله تعالى:  إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ  . و قوله تعالى :  حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ  .
و في حدود فهمنا، أن هذه النصوص الدينية تقرر حقيقة واضحة، و هي أنه إذا كانت طبيعة الحياة صراعا بين الحق و الباطل، بين الخير و الشر، بين المؤمن و الكافر، فإن حكمة الله قد اقتضت أن النصر سيكون في نهاية الأمر للأصلح، و أن البقاء سيكون لما ينفع الناس و يفيدهم، فأما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
و قد نظر سيد قطب إلى القصص القرآني، فوجد من أغراضه بيان رعاية الله لرسله و أنبيائه الذين أيدهم بنصره على المكذبين، و ذلك بغرض تثبيت النبي –عليه السلام- و التأثير في نفوس من يدعوهم إلى الدين الجديد. و من ثم يرى أنه، تبعا، لهذا الغرض كانت ترد قصص الأنبياء، مجتمعة، مختومة بمصارع من كذبوهم. و يتكرر بهذا عرض القصص .
و يبدو أن الرازي قد كرر حديثه عن هذا الغرض في كثير من المواقف، من ذلك قوله » إن الكفار إذا سمعوا هذه القصص و علموا أن الجهالة، و إن بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدمين إلا أن الله تعالى أعانهم و نصرهم و أيدهم و قهر أعداءهم، كان سماع هؤلاء الكفار لأمثال هذه القصص سببا لانكسار قلوبهم و وقوع الوجل في صدورهم و حينئذ يقللون أنواع الإيذاء و السفاهة « .
و يتضح من هذا النص، أن الرازي علل ورود القصص على هذا النحو، تعليلا نفسيا، لأنه حين يتعرض لمصارع الغابرين يثير في النفس الشعور بالخوف من نقمة الله و عذابه، و يبعث على الإحساس بالأمن في حمى الإيمان بالله و جبروته، كما أنه يترك في النفس صدى و قلقا و حيرة مما ينتظر الكائن البشري من مصير مجهول، و هذا الشعور بالتهديد لا يحس به إلا من تنكب عن الطريق القويم، و زاغ عن الحق.
و تكمن، أيضا، قيمة القصص الذي يصور مصارع الظالمين في القدرة على الإيحاء و التأثير. فهذا القصص يثير شعورا بالخوف من عاقبة التكذيب و العصيان. و قد يكون هذا الخوف مدعاة للتوبة و الاستقامة، و الرجوع إلى الصواب. و قد يساعد الدعاة على الثبات على الحق و لزومه.
و من ذلك ما جاء في سورة العنكبوت:  وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ - إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا - فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ، فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ، وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ. وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ... فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا: اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ. فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  .
وفي هذا الصدد تجيء تلك القصة التي تتحدث عن النهاية المأسوية الواحدة للمكذبين:  وَعَادًا وَثَمُودَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ، وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ، فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ. وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ. وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ، فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ، وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ، فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  .
يصوّر هذا القصص ألوانا من الفتن، و من الصعاب و العقبات التي اعترضت طريق الرسل، و دعوتهم إلى الحق، على امتداد الأجيال. و كذلك، بعدما استعرض هلاك الأقوام المكذبة أنشأ، كما يقول سيد قطب، يطمئن النبي – عليه السلام – إلى تدخل مشيئة الله لنصرته، و دحر أعدائه، كما تدخلت يد القدرة الإلهية من قبل لنصرة الرسل السابقين، و حمايتهم من كيد المكذبين .
و يمضي سيد قطب مبينا، من خلال قصص القرآن، العقبات التي اعترضت مسيرة الدعوة في الأرض، منذ فجر الخليقة؛ و كيف انتهى الصراع بين الحق و الباطل.
فسورة يوسف –عليه السلام-، نزلت بغرض تثبيت الرسول –صلى الله عليه وسلم- و التسرية عنه، و ذلك لتشابه الأحوال و استواء المواقف؛ لأنه، كما يقول سيد قطب، في الوقت الذي كان يعاني فيه الرسول و من أسلم معه من المؤمنين الشدة، و الغربة والوحشة في بيئة قريش الجاهلية، تجيء هذه السورة لتقص على رسول الله قصة يوسف، و هو يعاني ألوانا من المحن، و صنوفا من الآلام و الحزن: محنة كيد إخوته، و محنة الرق في أسواق مصر، و محنة كيد امرأة العزيز و نسوة الطبقة المترفة في البيئة المصرية، و محنة السجن، ثم بعد ذلك محنة الجاه و السلطان المطلق على خزائن الأرض. هذه المحن، و هذه الابتلاءات التي مرّ بها يوسف، يرى فيها سيد قطب أنها تفي بالغرض؛ لأن طابعها يتناسب مع طبيعة الفترة الحرجة التي كان يمر بها النبي عليه السلام و العصبة المؤمنة معه .
و عند تفسيره لقوله تعالى:  وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ، فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا، وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ  ، يرى أن كل ما جاء في القرآن من قصص، فهو بغرض تطمين المطاردين المغتربين الموحشين و تثبيتهم، و ذلك بما ينطوي عليه من أخبار و حوادث، تصور ما وقع للرسل و الدعاة في الماضي السحيق، و ما كان منهم من صبر على الأذى و مضي في الطريق، حتّى أتاهم نصر الله وفق سنة لا تتبدل و لا تتغير، كما هذا القصص يذكر بأن » موكب الدعوات إلى الله موغل في القدم، ضارب في شعاب الزمن، ماض في الطريق اللاحب، ماض في الخط الواصب.. مستقيم الخطى ثابت الأقدام. يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل؛ ويقاومه التابعون من الظالمين والمتبعون، ويصيب الأذى من يصيب من الدعاة، وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء، والموكب في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد، والعاقبة هي العاقبة، مهما طال الزمن ومهما طال الطريق. إن نصر الله دائما في نهاية الطريق « .
ومما سبق، نلاحظ أن بعض ما جاء في القرآن الكريم من قصص يوحي بمجرى سنة الله، فكلما استيأس الرسل، يأتي الفرج ونصر الله الكبير، بعد الابتلاء والمحن، والصبر الشديد على ذلك كله. وقد قص الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- أهم أخبار الرسل الماضين وما لقوه من محن، وابتلاءات؛ و نعتقد أن الوحي استرجع ذلك للعظة و الاعتبار.
3- بيان نعم الله على أنبيائه و أصفيائه:
و لئن كان القصص القرآني يساق للتسلية والمواساة، فإنه يساق كذلك لبيان نعم الله المختلفة على عباده المخلصين، وفي هذا وذاك الغرض واحد، وهو تثبيت الرسول -صلى الله عليه وسلم- وطمأنته ودعوته إلى التأسي بالصبر الجميل.
و الظاهر أن ذكر نعم الله المسداة إلى أنبيائه وأصفيائه، يدل على النصر والتمكين؛ وفي هذا إيحاء و تلميح إلى رسول الله، بأن الله سيسبغ عليه نعمه كما أسبغها على الذين من قبله، فتستشرف نفسه نصر الله القريب، وتتذوق حلاوته من بعيد، فيطمئن قلبه، وتثبت قدماه على أرض الحق الصّلبة.
و نجد بيان هذه النعم، قد توزعها القصص القرآني تحت عناوين شتى، وظهرت في أكثر من ثوب. و الغرض من ذلك ليس تقرير هذه الحقيقة فقط؛ بل من أجل زرع الثقة في النفوس لتطمئن إلى جنب الله. لأن القصص القرآني بأسلوبه الفريد أداة للتربية و الترويح عن النفس في آن.
و قد أشار سيد قطب إلى هذا الغرض وحصر مواطنه في بعض الحلقات من قصص الرسل والأنبياء، التي كان قصد القرآن منها إبراز هذا الغرض في المقام الأول، وما سواه من الأغراض يأتي عرضا. ورأى أن هذه المواضع التي تفي بهذا الغرض، هي تلك الحلقات المعروضة، من قصص إبراهيم وموسى وأيوب وداود وسليمان، ويونس ومريم، وزكريا وعيسى، إذ تبرز هناك نعمة الله على هؤلاء الرسل والأنبياء في موافق شتى .
و لما تحدث سيد قطب عن هذه النعم، مثل لذلك بقصص الأنبياء و ما أسبغ الله عليهم من نعم مختلفة، من ذلك نعمة العقب الصالح، كما هو الشأن بالنسبة إلى إبراهيم – عليه السلام- الذي اعتزل أهله و ما يعبدون، فعوضه الله عنهم خلفا صالحا رحمة به، و سندا له، كما جاء في قوله تعالى :  فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا. وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا، وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا  .
في هاتين الآيتين تتجلى رحمة الله بإبراهيم في تعويضه عن أهله وقومه المشركين ذرية صالحة تنسل منها أمة كبيرة، فيها الرسل و الأنبياء، كما يقول سيد قطب؛ فبعدما اعتزل إبراهيم قومه، و هجر أرضه لم يتركه الله فردا؛ بل وهب له ذرية صالحة تؤنسه في وحدته و اعتزاله، و ذلك جزاء له على صدقه و إخلاصه، و تفانيه في نشر دعوته .
و تتجلى في عدة حلقات من قصة إبراهيم رحمة الله وعنايته به، كما يتجلى اختبار الله له بالسراء و الضراء، و كيف اجتاز ذلك الابتلاء، و تلك المحن. و هذه الرحمة تذكر هنا، لأنها من شأنها أن تخفف عن النبي – عليه السلام- ما يعانيه من صدّ قومه و هجرهم له.
و من ذلك أيضا ما أنعم الله به على داود و سليمان من نعم مختلفة، إذ أوتي كلاهما الحكمة و العلم:  ... وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا...  ، و تسخير الجبال و الطير لداود، و تعليمه صنعة الدروع. و تسخير الريح و الجن و كثير من المخلوقات لسليمان. و مع ذلك فقد صبرا للابتلاء بالنعمة، و اجتازا الامتحان بسلام.
و يرى سيد قطب أن في هذا اللون من القصص إشارة، و حكمة سامية، إلى أن الابتلاء قد يكون بالضراء، كما يكون بالسراء، كما هو الشأن مع داود و سليمان. لقد ابتلاهما الله بالسراء، و فتنهما في هذه النعمة بالحكم و القضاء، و بالخيل الصافنات .
و من ذلك يتجلى معنى جليل، هو تعليم الصبر و الثبات على الحق و لزومه، و تحمل أنواع المشاق، و ألوان العذاب، في السراء و الضراء. و في ذلك دعوة للرسول على لزوم الدعوة إلى الحق مهما كانت العقبات، و تثبيت له على الحق مهما تغيرت الظروف، و تبدلت الأحوال، سواء أكان ذلك بالسلب أم بالإيجاب، بالسراء أم بالضراء.
و عن الفرج بعد الضيق، يقول تعالى:  وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ، وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ، وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ، رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ  .
و قصة أيوب في ابتلائه، في نظر سيد قطب، من أروع قصص الأنبياء. و قد وردت في مواضع كثيرة من القرآن، و لكن الإشارة إليها في هذا الموضع، كما يرى سيد قطب، أنها تعرض دعاء أيوب و استجابة الله له، لأنها وردت في سياق رحمة الله بأنبيائه، و رعايته لهم في الابتلاء، سواء أكان الابتلاء بتكذيب أقوامهم لهم، أم بالنعمة، أم بالضر. و قصة أيوب تعرض نموذجا للعبد الصالح الصابر الذي لا يضيق صدره بالبلاء و الابتلاء.
و تكشف، أيضا، هذه القصة أن الإنسان حين يتوجه إلى ربه بثقة و اطمئنان، تكون الاستجابة، و تكون الرحمة، كما هو الشأن مع أيوب الذي رفع عنه الله الضر في بدنه، و في أهله، و في ماله جزاء لصبره و تحمله .
و في قصة يونس إشارة إلى أصحاب الرسالات، و أصحاب الدعوات، لكي يصبروا على تحمل المشاق، و يطمئنوا إلى وعد الله لهم بالنصر و التمكين. و ذلك مصداقا لقوله تعالى:  وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا، فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ. فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ. وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ  .
في هذه الحلقة من قصة يونس لمسات و لفتات وقف أمامها سيد قطب لحظات، منها أن تكذيب الصادق الأمين، الواثق من صدق دعوته مرير على النفس، و لكنه بعض تكاليف الدعوة إلى الله؛ و أن من يضيق صدره بالمعاندين و المعارضين، و لم يصبر على تكاليف الدعوة، قد يوقعه الله في محنة أكبر، و شدة أعظم، و في ضيق تهون إلى جانبه مضايقات المعرضين والمعاندين المكذبين. و في هذا كله إيحاء إلى أصحاب الدعوات لأن يصبروا على التكذيب، و على تحمل تكاليف الدعوة .
و خلاصة القول إن كل ما جاء في القصص القرآني، مصورا للمشاق و العقبات التي تعترض طريق الرسل و الرسلات، أو مبينا لنعم الله على رسله. في كل ذلك تثبيت للرسول –صلى الله عليه وسلم- و تخفيف عنه، لما يلاقيه من صد و إعراض و تكذيب من قومه.

4- التبشير و التحذير:
و كان من أغراض القصص القرآني تصديق التبشير و التحذير، فكل ما عرضه الله في كتابه من أنباء الهلاك و الدمار، و أخبار النصر و التمكين، هو إنذار لمشركي العرب، و تخويف لهم، و في الآن نفسه تثبيت للرسول –صلى الله عليه وسلم- و العصبة المؤمنة معه؛ على أن ما يعانون منه من صدّ و إعراض، و ما يلقونه من أذى و عذاب، هو ما كان يلقاه الرسل السابقون، و الذين آمنوا معهم. و صدق الله وعده إذ أيدهم بنصره، و أهلك أعداءهم.
و قد احتوى القصص القرآني على كثير مما كان يلقاه الرسل من تهديد و تعذيب، و استهزاء و سخرية، و نعت الأنبياء بأقبح الأوصاف، و في هذا شيء من المماثلة بين موقف هؤلاء الأقوام من رسلهم، و بين موقف كبراء قريش و سفهائها من الرسول – صلى الله عليه وسلم – و ذكر ذلك في القرآن الكريم ينطوي على غرضين: التسلية و التطمين للرسول، و التخويف و الإنذار للمشركين.
إن تحذير المكذبين و إنذارهم، مع تخفيف الضغط على النبي. كان من أغراض القصص القرآني و أهدافه، لأن هذا الأسلوب يزحزح كثيرا من أتباع المكذبين المعاندين، و يجعلهم ضمن صفوف المهتدين، و من هنا، يكون أسلوب الترغيب والترهيب » من أهم فعاليات الاستجابة لدى الإنسان، و الخطاب القرآني، و هو يفاعل هذه القابليات النفسية في الإنسان، فإنه يستثمر مقدراته الشعورية و الوجدانية إلى جانب استثارة القوى العقلية والمنطقية لديه « .
و مثاله قوله تعالى في التنكيل بفرعون و قومه، و العناية بالمستضعفين:  فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ، بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ. وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ  .
فالغرض من هاتين الآيتين واضح، هو تحقيق وعد الله للمستضعفين الصابرين، و إهلاك المتجبرين المكذبين. أو على حد تعبير سيد قطب، فإن هذا النص الديني ينقسم إلى مشهدين: مشهد الدمار و الخراب في جانب، و مشهد الاستخلاف و العمار في الجانب الآخر. و هو، في نظره، مثل يضر به الله للعصبة المؤمنة المطاردة من الشرك وأهله؛ و رؤيا في الأفق لكل داعية إلى الحق يلقى من مثل فرعون و حاشيته، ما لقيه الذين كانوا يستضعفون في الأرض، من قبل الجبابرة المعاندين، فأورثهم الله الأرض بما صبروا .
و بصدد الإنذار و الزجر و التذكير، يقول تعالى:  إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً. فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا. السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً، إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً  .
هذا الخطاب موجه إلى المكذبين ليهز قلوبهم، ويخلع نفوسهم، بما يحمله من صور الهول التي ترتسم، كما يقول سيد قطب، في الطبيعة الصامتة، والإنسانية الحية، ينقل السياق القرآني هذه المشاهد إلى حس المتلقي كأنها واقعة فعلا؛ و يلمس بهذا الهول المتمثل في الطبيعة وفي النفس الإنسانية قلوب المكذبين المعاندين لعلها تتذكر وتهتدي إلى طريق السلامة. وبينما تزلزل هذه الصور الصاخبة، و المشاهد المؤثرة قلوب المعاندين، تنزل على فؤاد النبي وصحبه بالرَّوْح والثقة و اليقين، إذ يحسون أن ربهم لن يكلهم إلى أعدائهم يمكرون بهم، ويكيدون لهم .
و يذهب سيد قطب إلى أن القصص كان إحدى وسائل التربية القرآنية، حيث يري أن ما ورد في سورة الشعراء من قصص، يغلب عليه جو الإنذار والتكذيب، وما يتبع ذلك من عذاب، ذلك أن هذا القصص يواجه إعراض مشركي مكة عن آيات الله، واستهزاءهم بالنذر. ومن هنا جاء متناسقا مع موضوع السورة الذي يتمثل في بيان عاقبة التكذيب بالرسل والرسالات، وفي ذلك طمأنة وتعزية للنبي -عليه السلام- عما يلقاه من تكذيب المشركين، إذ يشعر أن الله يرعى دعوته والمؤمنين بها، ولو مجردين من القوة المادية؛ وهو الموقف الذي كان فيه الرسول ومن معه في بداية الدعوة .
ويرى سيد قطب أن القصص القرآني كان بين الحين والحين يعرض مصارع المكذبين، للتذكير والتحذير؛ لأن مصارع الغابرين خير منذر، وخير مذكر، والقصص القرآني حين يستصحب هذه الحقائق، يجعل منها ذكرى موحية، وعبرة موقظة للقلوب السادرة.
و من أجل الإنذار و الاعتبار، يجول القصص القرآني جولات كثيرة، في مصارع الغابرين المكذبين، و قد وقفوا من رسلهم و أنبيائهم – عليهم السلام- موقف مشركي العرب في مكة و ما حولها، من رسولهم و نبيهم محمد – صلى الله عليه وسلم- و كذلك يكشف عن سنة الله في أخذ الناس، حين ينحرفون عن الحق. كما يكشف عن تحقيق وعد الله تجاه المصدقين الصابرين. و بعبارة أخرى، فإن هذا القصص يحتوي على تسلية الرسول – صلى الله عليه وسلم – من ناحية، و على تذكير و إنذار المشركين و الكفار من ناحية أخرى.
و قد عبّر أحد الدارسين على الخطاب القرآني و تلازم سياقات الترغيب و الترهيب، بقوله: » لا يكاد الخطاب القرآني يسوق لوحة ترغيبية إلا و يقرنها بأخرى ترهيبية و العكس كذلك. و قد تتفاوت المساقات الترغيبية و الترهيبية، فيما بينها، أو قد تتوازن … لكن السياقين يظلان في الأعم متلازمين، متداعيين متكاملين فيما بينهما، بتوطيد إيحائية متزنة، متوازنة، هي من خصائص أدبية الخطاب القرآني في التبليغية ... و اتصال مقامات الرهبة بمقامات الرغبة، هو ما يعطي لتلك الفاعلية الواعدة المتوعدة، تساوقا، على مستوى الصورة … يحقق للخطاب، مزيدا من مقومات السلطة الأدبية التي تهيئ له التأثير الروحي و النفسي « .
هذا، و لم نكن نريد بما ذكرناه من نصوص، و نقولٍ في هذا الفصل، الإحصاء أو الاستقصاء، و إنما أردنا التمثيل على صحة نظرة سيد قطب الشاملة للقصص القرآني، و فهمه العميق لأغراضه المختلفة.
و مما تقدم يتضح ذلك التشابه التام بين حالة الرسول –صلى الله عليه وسلم- و أحوال غيره من الرسل – عليهم السلام - من حيث مواقف الأقوام من رسلهم، و هو موقف المحادّة المشترك بين جميع الناس عبر العصور. و أن اختيار أحداث بعينها من قصص هؤلاء الرسل و الأنبياء، دون غيرها، كان مقصودا بغرض تثبيت النبي – عليه السلام - و التنفيس عن أتباعه، خدمة للدعوة الإسلامية. و من ثم يكون العامل الأول في اختيار مثل هذه الأحداث من تاريخ هؤلاء الرسل، يتفق و طبيعة الدعوة الجديدة، و يتلاءم و ظروف البيئة التي تحيط بالنبي و من معه من المسلمين. و هذا معناه أن القصص القرآني يمثل نفسية الرسول –صلى الله عليه وسلم- و الحالة العربية في زمن الوحي.

ج- استدراك و تعقيب:
و بعد هذا الاستطراد، فإننا نعود و نسأل: هل هذا الغرض القصصي الذي عالجه سيد قطب هنا، كان غرضا بكرا، لم يسبق إليه؟ و لم يستطع أحد من الدارسين القدامى الانتباه إليه؟ و في الظن أنه لا يستبين الجواب إلا إذا وازنا بينه و بين غيره من السابقين.
و الحق أن وقفة السابقين على هذا الغرض كانت وقفة قصيرة، و نظرة عابرة، و إشارة خفيفة. و بذلك تختلف عن وقفة سيد قطب و نظرته. و هذا ما نلحظه كثيرا في تفاسير القدامى. إن الذي يتأمل هذه التفاسير، يجدها تشير بطرف خفي إلى ما أشار إليه سيد قطب بتوسع، و إسهاب، و كرر حوله القول.
و لكي يتضح المقال، نعطي أمثلة على سبيل التمثيل، لا على سبيل الإحصاء؛ فلو ذهبنا نتفرس الكشاف، لوجدنا الزمخشري يفسر قوله تعالى:  وَكُلاَّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ، وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ  ، بعبارات موجزة، حيث يقول: » معنى تثبيت فؤاده: زيادة يقينه و ما فيه طمأنة قلبه، لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب و أرسخ للعلم « ؛ و هكذا، نلاحظ أن الزمخشري لم يتعد بضعة جمل في التعبير عن هذا الغرض القصصي، الذي استفاض فيه سيد قطب كثيرا.
و كذلك فعل ابن كثير، عند تفسيره لهذه الآيات، فبعدما يشير إلى ما لحق بالأمم المذكورة –في سورة هود- من إهلاك ودمار، يتعرض للغرض من هذا النص الديني، بكلام مختصر، هذا نصه: » و كل هذا مما نثبت به فؤادك أي قلبك يا محمد، ليكون لك بمن مضى من إخوانك المرسلين أسوة « .
أما القرطبي، فيقول في تفسير هذه الآيات: » ذكر سبحانه قصص الأنبياء – عليهم السلام – للنبي – صلى الله عليه وسلم - تثبيتا له على ملازمة الصبر، على أذى الكفار إلى أن يكفيه الله أمرهم « . و بعد هذه الإشارة إلى الغرض الديني من هذه الآيات، يشرع في شرح ما في هذا القول من مسائل أخرى شرحا مستفيضا.
و هذا لا يعني بأي حال من الأحوال، أن هذا الغرض الديني، لم يكن واضحا عندهم؛ و إنما كل ما في الأمر، أنهم لم يقفوا عنده طويلا؛ بل كانوا يشيرون إليه إشارة عابرة، ثم يمرون إلى غيره من الأغراض. كل حسب مذهبه، كما وضحنا ذلك في المدخل من هذا البحث.
و من هنا، نرى الاختلاف بينهم و بين سيد قطب، فهم لم يشيروا إلى هذا الغرض الديني، إلا انطلاقا من النصوص التي تنص نصا صريحا على ذلك، و هذا خلاف ما نجد عليه سيد قطب، الذي اعتبر جل ما ورد في القرآن من قصص كان من أجل هذا الغرض.
أما إذا جئنا إلى المعاصرين السابقين على سيد قطب، فإننا نجدهم قد قصدوا إلى هذا الغرض قصدا، و توسعوا فيه كثيرا، إذ اعتبروا كل ما جاء في القرآن من قصص يخدم هذا الغرض الديني.
من ذلك تعليق صاحب تفسير المنار، على قصة خلق آدم، التي اعتبرها تسلية للنبي – عليه السلام - عن تكذيب قومه له، و محاجتهم في النبوة بغير برهان. فهي، من منظوره، قصة مسلية لكونها تبين أن البشر أولى من الملائكة بإنكار ما لم يحيطوا بعلمه حتى يعلموا، فإذا كانت الملائكة تطلب البيان و البرهان فيما لا يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين؛ و بالرسل أن يعاملوا أقوامهم المكذبين كما عامل الله الملائكة المقربين .
و إذا انتقلنا إلى محمد عزة دروزة، نجده يركز تركيزا واضحا على هذا الغرض، في مواضع كثيرة من تفسيره –الذي ألفه أثناء الحرب العالمية الثانية - حيث يرى أن ما جاء في القرآن الكريم، قد استهدف تطمين النبي – عليه السلام - و تثبيت المؤمنين، و بعث الأمل فيهم و الوثوق في نفوسهم حيال ما يلقونه من عنت المشركين و بغيهم.
و مما لا مرية فيه أن هذا القصص من شأنه أن يبث اليقين و الجرأة، و القوة في نفس كل داعية يدعو إلى الحق، و المبادئ الكريمة السامية .
و الذي يهمنا من إجراء هذه المقارنة هنا، تبيان أن نظرة سيد قطب لهذا الغرض كانت شاملة عميقة، خلافا لنظرة السابقين، التي كانت عابرة، كما أن هذا الغرض كان مقصودا لذاته عند سيد قطب، بينما هو عند القدامى يأتي عرضا.
و أما خلافه مع المعاصرين، فكان يتمثل في طريقة العرض، و شدة التركيز، إذ وقف عند هذا الغرض طويلا، و توسع فيه كثيرا، و أكثر من الشواهد و الأمثلة.
و نحسب أن التركيز على هذا الغرض يرجع في حقيقة أمره، كما يقول سيد قطب نفسه، إلى تثبيت » طلائع البعث الإسلامي التي تواجه الجاهلية الشاملة في الأرض كلها؛ و التي تعاني الغربة في هذه الجاهلية و الوحشة؛ كما تعاني الأذى و المطاردة و التعذيب و التنكيل... إن هذه الطلائع ينبغي أن تقف طويلا أمام هذا الأمر الخطير، و أمام دلالته التي تستحق التدبر و التفكير « .
و كان يرى أن فترة الابتلاء، قد تطول لأمر يريده الله، و ما على هذه الطلائع إلا أن تثبت و تستمر في طريقها، كما ثبت أصحاب الدعوات السابقة، و أن تصبر حتى يأتي الله بنصره، و أن تثق بأن الله لن يتركها إلى أعدائها. و لتأخذ العبرة من هذا القصص القرآني.
و نزعم أيضا أن التركيز على هذا الغرض من لدن سيد قطب، ناجم عن جملة أسباب، منها ما لحق به من أذى و سجن، بسبب موقفه السياسي، و ما أصاب جماعة الإخوان المسلمين من ضربة قاصمة . إذ لم يجد عزاه إلا في القصص القرآني، يواسي به نفسه و يثبت به ما بقي من فلول التيار الذي ينتمي إليه. و مرتكزنا في هذا، أنه بعدما أوشك أن ينتهي من تأليف الظلال ، أعاد في سجنه صياغة مقدمات بعض السور، بتركيز شديد على العقيدة موضحا معني الألوهية، والعبودية والحاكمية، ومبينا أهمية المنهج الحركي في الدعوة. وذلك حسب فهمه الجديد للإسلام، وتصوره للدعوة ومستقبلها. وهكذا يكون قد أعاد النظر في تفسيره على أساس إدراكه الجديد لقضايا العقيدة، و السياسة، و التاريخ، والاجتماع، وهي اهتمامات نابعة من المحنة التي تعرض لها، على قدر الظن..
الفصل الرابع
السرد القصصي و موضوعية التوجيه الديني


1. بيان قدرة الله على الخوارق
أ- قدرة الله على الخلق و الإماتة
ب- قدرة الله على البعث
ج- الإنسان و القدر
2. بيان عاقبة الخير و الصلاح، و عاقبة الشر و الفساد
أ- الصراع بين الحق و الباطل
ب- العاقبة الخيرة و العاقبة السيئة










1- بيان قدرة الله على الخوارق:
كنا قد تحدثنا في الفصل السابق عن غرض من أوسع الأغراض القرآنية ذكرا، ألا و هو تثبيت قلب النبي –عليه السلام- و دعوته إلى التأسي؛ و قد رأينا هناك، أن القصة القرآنية، تساق بغرض التسلية و المواساة للرسول –صلى الله عليه وسلم- و الذين آمنوا معه، و دعوتهم إلى الصبر على أذى قومهم، و معارضيهم، كما صبر الرسل السابقون و من آمن بدعوتهم على أذى أقوامهم. و رأينا أيضا كيف عالج سيد هذا الغرض و توسع فيه، و ذكرنا أسباب تركيزه عليه.
و ها نحن أولاء نعالج في هذا الفصل أغراضا أخرى، من الأغراض التي تعرض لها سيد قطب في كتاباته، و التي يمكن إجمالها في عنصرين اثنين، هما: بيان قدرة الله على الخوارق، و بيان عاقبة الخير و الصلاح، و عاقبة الشر و الفساد.
قد وردت في القرآن الكريم، قصص تدل على قدرة الله الباهرة في خرق العادات، و إظهار الخوارق العجيبة في الكون و الأنفس؛ كقصة خلق آدم، وقصة مولد عيسى، و قصة الذي مرّ على قرية و هي خاوية على عروشها، و قد أماته الله، ثم أحياه بعد مئة عام، و قصة الذين خرجوا من ديارهم و هم ألوف حذر الموت، و قصة إبراهيم و الطير التي ذبحها و جعل على كل جبل جزءا منها، ثم عادت لها الحياة، و آبت إليه، وقصة البقرة و قتيل بني إسرائيل، و قصة أصحاب الكهف، و قصة مؤمن يس. و إنجاب زوجة إبراهيم و هي عجوز، و زوجة زكريا و هي عاقر … إلخ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://heddadji.kalamfikalam.com
 
أغراض القصص القرآني1
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
HEDDADJI MOHAMMED BOUHALLOU :: الفئة الأولى :: مذكرات للتخرج-
انتقل الى: