منتدي لكل المسلمين و من يريد العلم
 
المذكرات التخرجالرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أغراض القصص القرآني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
heddadji
Admin
avatar

عدد المساهمات : 25
تاريخ التسجيل : 28/04/2008
العمر : 40

مُساهمةموضوع: أغراض القصص القرآني   الجمعة 17 أغسطس 2012, 16:32

الباب الأول
الأغراض الدينية
الفصل الأول:
الدلالة القصصية على ظاهرة الوحي
الفصل الثاني:
السردية التاريخية و الحقائق العقيدية
الفصل الثالث:
الخطاب القصصي والغاية التربوية
الفصل الرابع
السرد القصصي و موضوعية التوجيه الديني
الفصل الأول
الدلالة القصصية على ظاهرة الوحي
1. مفهوم الوحي.
2. الدلالة القصصية على نبوة محمد.
3. مدى وعي السابقين بهذا الغرض.
4. بيئة الوحي و القصص القرآني.
5. موازنة و رأي.
1- مفهوم الوحي:
يجدر بنا قبل الخوض في الحديث عن دلالة القصص القرآني على نبوة محمد – صلى الله عليه و سلم – و صدق رسالته؛ أن نتحدث بإيجاز عن ظاهرة الوحي، و الاعتراض عليها قديما و حديثا.
فنقول: إن أصل الوحي في اللغة كلها إعلام في خفاء، و يكون ذلك بالإشارة و الإيماء، و الكتابة و الرسالة، و الإلهام، و الكلام الخفي، و كل ما ألقي إلى الغير بطريقة من هذه الطرق. و من ثم، سمي ما يوحيه الله إلى أنبيائه وحيا، لأن الملك أسره على الخلق و خص به النبي .
و الوحي بمفهومه العام نوعان: وحي عام مشترك، و وحي خاص. أما العام المشترك فقد يسمع الإنسان كلاما أو حديثا، أو يلاحظ سلوكا أو تصرفا، فيستوحي منه خواطر، أو يستنتج منه نتائج، فيسمى هذا الخاطر الذي يخطر له، أو هذا الاستنتاج وحيا أو إلهاما. و عليه فالوحي بهذا المفهوم » هو الإدراك الضمني لأمر من الأمور، دون أن يذكر صراحة في كلام واضح « و هو بهذا المعنى عام مشترك بين جميع الناس، و لكنه يختلف من شخص لآخر باختلاف الملكات العقلية، و الثقافات المختلفة، و الوسط الاجتماعي.
أما الوحي الخاص فهو كلام الله إلى رسله و أنبيائه الذين يمتازون عن الناس بما وهبهم الله من وسائل التلقي، و القوى المدركة؛ و من هنا تكون » صلة الوحي الرباني بالنبي هي صلة روحية خاصة، كان يشعر بها بالقوة التي اختصه الله بها دون أن يكون بإمكان غيره إدراكها، غير أن أثرها قائم قياما حاسما لا سبيل إلى المماراة فيه« .
و هذا الضرب من الإعلام الخفي السريع، الذي سمته كل الأديان السماوية » وحيا، لم يبتعد عن المعنى اللغوي الأصلي لمادة الوحي و الإيماء « . و هذا معناه أن مفهوم الوحي الرباني اصطلاحا هو ملك الله الذي يتصل بالنبي.
و لقد وردت في القرآن الكريم عدة آيات قرآنية من شأنها أن تساعد بعض الشيء على فهم ظاهرة الوحي، و إدراك » مدلولها بقدر ما تسمح به اللغة البشرية و تتسع له أفهام البشر الذين يتخاطبون بها« ، كقوله تعالى :  وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ...  و قوله :  وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي، قَالُوا: آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ  . و معنى الوحي هنا، كما دلت عليه هذه الآية و تلك، هو الإلهام الفطري للإنسان.
و قد يأتي الوحي في القرآن بمعنى الإلهام الغريزي للإنسان، كما هو واضح من قوله تعالى:  وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ  ، و قد يأتي أيضا بمعنى الإشارة والرمز و الإيماء بالجوارح، كقوله تعالى عن زكريا :  فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا  .
و أما عن صلة النبي –عليه السلام- بالوحي الرباني التي كان القرآن مظهرها، فقد عبر عن ذلك قوله تعالى :  وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الأَّعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى  .
و يكون هذا الاتصال الغيبي الخفي بين الله و رسله وأنبيائه بصور مختلفة؛ و قد جاء بيان كيفيات اتصال الوحي بالبشر، في قوله تعالى :  وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ، إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ. وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا. وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  .
هذه الآيات تكشف عن طبيعة الاتصال و صوره بين الله و أصفيائه المختارين من البشر، حيث يظهر أن هذا الاتصال يتمّ بواحدة من ثلاث:
الأولى: إلقاء المعنى وحيا في قلب النبي أو نفثه في روعه.
الثانية: تكليم النبي من وراء حجاب.
الثالثة: الوحي عن طريق ملك الذي يأتي في صور مختلفة، كأن يلقي المعنى في نفس الرسول من غير أن يراه، أو يتمثل له رجلا فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول، أو يأتي في مثل صلصلة الجرس، أو يأتي في صورته التي خلق عليها، و يوحي إلى النبي ما أوحاه الله إليه .
هذه، إِذًا، صور الوحي و طرق الاتصال التي ما فتئت تثير في نفوس البشر كثيرا من الشك و الريب و الاعتراض، في كل دعوة من دعوات الأنبياء و الرسل إلى الله، من لدن نوح إلى محمد –عليهما السلام- إلى يومنا هذا.
و نعتقد أن هذا الاعتراض المتكرر على ظاهرة الوحي، قديما و حديثا، لم يكن منشؤه عائدا إلى غموض ظاهرة الوحي، و سر النبوة اللتين ظلتا في حقيقة كنههما سرا على الناس؛ و إنما يعود إلى نوايا سيئة، و نفوس خبيثة، لم تعرف سبيلها إلى الحق و الرشاد. و ما يؤيد هذا المحمل أن كل رسول كان يأتي بمعجزة حسية أو عقلية، يقف دونها البشر، كدليل مقنع للحس و الوجدان، على أنه مرسل من قبل الله.
و من الأدلة العقلية التي اتخذها القرآن دليلا على حقيقة نبوة آخر الرسل، و على صدق رسالته، ما قصه من أنباء و أخبار ماضية، على وجهها الصحيح كما وقعت. و هو ما سنعرض له في العنصر الموالي.
2- الدلالة القصصية على نبوة محمد:
لقد أشرنا في المدخل بإيجاز إلى الدراسات التي تناولت أغراض القصص القرآني قديما و حديثا. تلك الدراسات التي أضاءت معالم الطريق، و اجتازت مفاوزه، ممهدة السبيل لما بعدها من الدراسات. و لعل تلك الأطراف المتفرقة التي قدمناها هنالك عن معالم هذه الأغراض، تسمح لنا الآن بمباشرة موضوع هذه الدراسة، و نحن أكثر اطمئنانا إلى ما قد نعقد من موازنة، أو نلاحظ من تشابه، أو نصادف من مفارقة؛ بل لعلنا نكون أعمق تمثلا للطابع العام الذي يميز سيد قطب من غيره من الدارسين لأغراض القصص القرآني.
فبعدما عرفنا –بصورة عامة- أغراض القصص القرآني في دراسات السابقين و المعاصرين، نسّاءل الآن عن مقدار ما أضافه سيد قطب إلى رصيد الدراسة الإسلامية، في مجال القصة القرآنية من هذه الأغراض!؟
و ربما جاز لنا الآن أن نقول: إذا كانت القصة الفنية تعرض ظواهر الحياة الإنسانية، و سلوك الأفراد، و تتعقب الإنسان في أدق تفصيلات سلوكه، و تتوغل في دخيلة نفسه لتستنبط مكوناتها، أو هي، كما يقول سيد قطب، » التعبير عن الحياة، بتفصيلاتها و جزئياتها كما تمر في الزمن، ممثلة في الحوادث الخارجية و المشاعر الداخلية « ، فإن القصة القرآنية، في نظر سيد قطب، سيقت » لتحقيق أغراض دينية بحتة... و قد تناولت من هذه الأغراض عددا وفيرا من الصعب استقصاؤه، لأنه يكاد يتسرّب إلى جميع الأغراض القرآنية، كإثبات الوحي و الرسالة، و إثبات وحدانية الله، و توحُّد الأديان في أساسها، و الإنذار و التبشير، و مظاهر القدرة الإلهية، و عاقبة الخير و الشر، و العجلة و التريث، و الصبر و الجزع، و الشكر و البطر، و كثير غيرها من الأغراض الدينية، و المرامي الخلقية، قد تناولته القصة، و كانت أداة و سبيلا إليه « .
ذلك أن القصة القرآنية عند سيد قطب، ليست شكلا فنيا فحسب؛ بل هي أكبر من ذلك، لأنها تعبر عن التصور الاعتقادي –كما قلنا سالفا- المتمثل في نظرة الإسلام إلى الكون و الإنسان و الحياة، فهي بذلك وسيلة من وسائل التأثير الفكري، و التغيير الديني. و هذا معناه أن » القرآن لا يقص قصة إلا ليواجه بها حالة. و لا يقرر حقيقة إلا ليغير بها باطلا .. إنه يتحرك حركة واقعية حية في وسط واقعي حي. إنه لا يقرر حقائقه للنظر المجرد، و لا يقص قصصه لمجرد المتاع الفني« .
استعرض سيد قطب في كتابيه: التصوير الفني في القرآن، و في ظلال القرآن، موضوعات القصص القرآني، فحصرها في غرضين عامين هما: الغرض العقيدي، و الغرض التربوي. فالغرض العقيدي يتجلى في عدد من الظواهر أولها: إثبات الوحي و الرسالة لمحمد –صلى الله عليه وسلم – الذي » لم يكن كاتبا و لا قارئا أو عرف عنه أنه يجلس إلى أحبار اليهود و النصارى؛ ثم جاءت هذه القصص في القرآن و بعضها جاء في دقة و إسهاب، كقصص إبراهيم و يوسف و موسى و عيسى. فورودها في القرآن اِتُّخِذَ دليلا على وحي يوحى. و القرآن ينص على هذا الغرض نصا في مقدمات بعض القصص أو ذيولها « .
و من ذلك قوله تعالى الذي جاء في سورة آل عمران، بعد عرض قصة مريم:  ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ. وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ؟ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ  ، فهذا السياق يشير، في نظر سيد قطب، إلى شيء من حكمة مساق القصص: إنه إثبات الوحي و الرسالة؛ لأنه ينبئ بأنباء كلها » من الغيب الذي لم يكن الرسول –صلى الله عليه وسلم- حاضره، ولم يبلغ إلى علمه. فربما كان من أسرار الهيكل التي لا تفشى و لا تباح للإذاعة، فاتخذها القرآن – في مواجهة كبار أهل الكتاب وقتها– دليلا على وحي من الله لرسوله الصادق. و لم يرد أنهم ردوا هذه الحجة. و لو كانت موضع جدال لجادلوا؛ و هم قد جاءوا للجدال« .
و يحاول أن يعلل ما يذهب إليه من رأي، فيرى أن هذا الحادث –حادث إلقاء أقلام سدنة الهيكل– كان معروفا لدى الأحبار و الرهبان، و حتى و إن لم يذكره » العهد القديم« و لا » العهد الجديد« المتداولان آنذاك. و دليله في ذلك أن النص القرآني، لم يفصّل الحادث لكونه كان معروفا لسامعيه من الرهبان و الأحبار. و من ثم فهو دليل على أن الذي أنبأ محمداً –صلى الله عليه و سلم- بما لم يكن حاضره، و لم يكن متداولا بين عامة الناس، هو الله عن طريق وحيه إليه.
فبعدما كشف الله لنبيه عن أسرار الهيكل المطمورة في الصدور. ها هو ذا يكشف له في سورة هود عن حادث ردمه الزمان في حفر سحيقة، و طواه التاريخ و لفه بضباب كثيف. لم يكن له و لا لقومه علم به، إلا بعض الظن الذي لا يغني عن يقين. فيعرض عليه قصة نوح -أبي البشر الثاني- مع قومه، وهي أول قصة في تاريخ الرسل، يعرضها عليه مفصلة بعض الشيء؛ و لما ينتهي عرضها يجيء هذا التعقيب  تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ  .
و هذا التعقيب، كما يرى سيد قطب، يحقق غرضا من أغراض القصص القرآني، و هو »حقيقة الوحي التي ينكرها المشركون. فهذا القصص غيب من الغيب، ما كان يعلمه النبي، و ما كان معلوما لقومه، و لا متداولا في محيطه. إنما هو الوحي من لدن حكيم خبير« .
و عطفا على ما سبق بيانه، يرى صبحي الصالح، أن هذا القصص الذي ورد في القرآن عن أخبار الماضي السحيق، و الأمم الخالية، صحح الله به » أخطاء وردت في الكتب السابقة تتناول عصمة الأنبياء، و فنّد به بعض المغالطات التاريخية، و صوّر محمدا شاهد الأحداث كلها، مراقبا إياها، كأنه يعيش في عصرها بين أصحابها « .
و هكذا، نرى أن القرآن الكريم استعمل القصة دليلا على صدق رسالة محمد –صلى الله عليه وسلم- و ذلك بالتلميح إلى أن محمدا كان أحد الأميين، الذين لا يتوجهون إلى هذا القصص الكامل الدقيق، الذي يتحدث عن آثار الغابرين، وعن الغيب المجهول. و القصص القرآني يؤكد هذا المعنى و يقرره في مواضع شتى، بصيغ متعددة، من ذلك قوله تعالى، الوارد في مقدمة سورة يوسف  نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ  والذي يوحي مظهره بأن قصة يوسف لم تكن متداولة بين العرب في شبه الجزيرة، بل تعد من أسرار الغيب التي غبرت بها القرون الخالية.
ثم يعقب الله على القصة بعد تمامها بقوله:  ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ  ، أي ذلك » القصص الذي مضى في السياق من الغيب الذي لا تعلمه؛ ولكننا نوحيه إليك، و آية وحيه أنه كان غيبا بالقياس إليك. و ما كنت معهم إذ أجمعوا و اتفق رأيهم، و هم يمكرون ذلك المكر الذي تحدثت عنه القصة في مواضعه. و هم يمكرون بيوسف، و هم يمكرون بأبيهم، و هم يدبرون أمرهم بعد أخذ أخيه... و كذلك ما كان هناك من مكر بيوسف من ناحية النسوة و من ناحية رجال الحاشية و هم يودعونه السجن.. كل أولئك مكر ما كنت حاضره لتحكي عنه، إنما هو الوحي الذي سيقت السورة لتثبته من بين ما تثبت من قضايا هذه العقيدة، و هذا الدين « .
و في حدود فهمنا، فإن هذه التفصيلات التي جاءت عن هذا الغيب المطمور، و ذلك الوصف الدقيق لشخصيات القصة، و ما تنطوي عليه من ظواهر نفسية؛ ذلك كله كانت الغاية منه، أيضا، إثبات أن الوحي القرآني، » إنما هو استقبال منه –صلى الله عليه وسلم- لحقيقة ذاتية مستقلة خارجة عن كيانه و شعوره الداخلي، و بعيدة عن كسبه أو سلوكه الفكري أو العملي « .
و هذا معناه أن القرآن آثر أن يعالج ظاهرة الوحي عن طريق التأثير المقنع، فلجأ إلى أخبار الأقوام السالفة، و قصص الرسل و الأنبياء السابقين، و أتى بها من الغيب المجهول، فرواها النبي الأمي الذي يشهد له التاريخ بأنه لم يقرأ كتابا، و لا خطه بيمينه، و لم يدرس تاريخا. و لا تعلمه من بشر. و مع ذلك جاء بهذه » المعاني النقلية البحتة التي لا مجال فيها للذكاء و الاستنباط، و لا سبيل إلى علمها لمن غاب عنها إلا بالدراسة و التلقي و التعليم « .
و من هذا الوادي قوله تعالى:  وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأََمْرَ، وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ. وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا؛ وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا؛ وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ  .
و يرى سيد قطب في هذا التعقيب الذي تحدث بإسهاب شديد عن قصة الوحي إلى موسى، و صوّر موقف المناجاة بدقة و عمق، و فصّل كثيرا من أحوال موسى في مدين، أنه تعقيب يدور حول دلالة القصة على صدق دعوى الوحي. فهذه القصة التي جاءت مفصلة بعض التفصيل، لم يكن الرسول –صلى الله عليه و سلم- حاضرا أحداثها و لم يسجل وقتها تفصيلاتها؛ بل تفصل بينه و بين وقوعها قرون، و مع ذلك يقصها على الناس، كأنه شاهد عيان، فتلك دلالة على أن الوحي يقصها عليه من لدن عليم خبير .
و في تقديرنا أن ما قصه القرآن علينا من أنباء الأمم و الأقوام الغابرة، و ما فصله من قصص الرسل و الأنبياء على وجهه الصحيح كما وقع، ليس مما يُدرَك بالشعور و الوجدان، و لا مما يستنبط بالعقل و التفكير و دقة الفراسة. فمثل هذه المعاني النقلية لا مجال فيها لإعمال الفكر و الذكاء؛ بل لا سبيل إلى تعلمها إلا بأحد أمرين: مشاهدتها شهادة عيان، أو التلقي و التعليم. و هو الأمر الذي لم يثبت تاريخيا في حق الرسول –صلى الله عليه وسلم- أنه كان من أولئك، أو من هؤلاء. » ذلك شأن ما في القرآن من الأنباء التاريخية، لا جدال في أن سبيلها النقل لا العقل، و أنها تجيء من خارج النفس لا من داخلها « .
و يستعرض القرآن الكريم في سورة » ص « قصة آدم دليلا على صدق الوحي بما دار في الملإ الأعلى ذات يوم، و لم يكن محمد حاضره  قُلْ: هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ. مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأََعْلَى، إِذْ يَخْتَصِمُونَ. إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ  .
و في تقدير سيد قطب، أن هذا المشهد فيه رد قوي على استنكار قريش لما يخبر به محمد –صلى الله عليه و سلم- من وحي. و يتمثل » هذا الرد في قصة الملإ الأعلى، حيث لم يكن النبي حاضرا؛ إنما هو إخبار الله له بما كان، مما لم يشهده –غير آدم- إنسان « .
و هذا الماضي السحيق الذي أخبر به محمد –صلى الله عليه وسلم- و بلّغه إلى الناس، لم يكن إلا حاملا له » و لم يبتدعه ابتداعا؛ و ما كان له أن يعلم ما وراءه لولا تعليم الله إياه؛ و ما كان حاضرا ما دار في الملإ الأعلى منذ البدء إنما أخبره الله« .
و إذا ما تأملنا و أمعنا النظر في هذه القصة، التي وصفت نشأة الإنسان الأولى، و مصيره المحتوم، أدركنا لا محالة، أنه لا يمكن لأي مخلوق كان، مهما أوتي من ذكاء فطري، و بصيرة نافذة، و وسائل علمية، أن تجيش نفسه بمثل تلك القصة القرآنية، التي لم يشهدها إنسان غير آدم » ذلك أن العقول البشرية لها في إدراك الأشياء طريق معين تسلكه، و حدّ محدود تقف عنده و لا تتجاوزه، فكل شيء لم يقع تحت الحس الظاهر و الباطن مباشرة، و لم يكن مركوزا في غريزة النفس، إنما يكون إدراك العقل إياه عن طريق مقدمات معلومة توصل إلى ذلك المجهول، إما بسرعة كما في الحدس و إما ببطء كما في الاستدلال و الاستنباط و المقايسة. و كل ما لم تمهد له هذه الوسائل و المقدمات لا يمكن أن تناله يد العقل بحال. و إنما سبيله الإلهام، أو النقل عمن جاءه ذلك الإلهام« .
و من خلال ما سبق، يمكن أن ننتهي إلى ملاحظة مفادها أن ما ورد في القرآن الكريم من قصص مسهب، أو مختصر يدل في جملته على إثبات الوحي و الرسالة للرسول –صلى الله عليه و سلم– و تلك الآيات التي سقناها هناك، تنص على هذا الغرض نصا صريحا. و هكذا يكون القصص القرآني قد استخدم للدلالة على نبوة محمد –صلى الله عليه وسلم- و هو ما ذهب إليه سيد قطب، و أكده في دراسته للقرآن الكريم، في أكثر من موضع في ظلاله و في غيره.
و حجته فيما يذهب إليه من رأي، ذلك الانتقال الطفري من رجل أمي عاش بين أظهر قوم أميين أربعين سنة من عمره، ثم يطلع على الناس بالصحيح المفيد من أخبار الأمم الماضية، و بمجمل ما جرى من حوادث التاريخ في القرون الأولى، و ما وقع ذات يوم في الملإ الأعلى، و أشباه ذلك، مما لا سبيل إليه إلا بالنقل أو المشاهدة.
و من هنا تُعَدُّ تلك المعاني القرآنية، النقلية منها و المعنوية، التي أتى بها محمد –صلى الله عليه وسلم- من الغيب المجهول الذي تنطفئ عنده مصابيح الذكاء و الفراسة، إذ لا يمكن وضعها بإعمال الفكر؛ لأنها من المسائل التي لا يدنو العقل البشري منها إلا و هو حاطب ليل و خابط عشواء.
بل يلتمس مصدرها خارج الذات المحمدية، و خارج المعارف البشرية، و بعيدا عن دائرة المعلومات القديمة. فهي و الأمر كذلك وحي من الله. لأنها أرقى من فكر حاملها، و من مستوى عصره كله.
3- مدى وعي السابقين بهذا الغرض:
و لكي نزيد هذه القضية إيضاحا، لا بد أن نعقد مقارنة بين سيد قطب و بين من سبقه من الدارسين للقصة القرآنية؛ لنرى ما هي إضافاته، و ما هو جديده في ما ذهب إليه من رأي، و في ما انتهى إليه من حكم.
و في الظن أن هذه المسألة، قديمة قدم الدراسة القرآنية نفسها؛ حيث كان من وجوه إعجاز القرآن، في نظر الدارسين القدامى، الإخبار عن الماضي السحيق. و حجتهم في ذلك أن محمدا –عليه السلام- كان معلوما من حاله أنه كان أميا لا يقرأ الكتاب و لا يخطه بيمينه، و لا يعرف شيئا عن أنباء و سير الأقوام السابقة، و لا عن قصص الرسل و الأنبياء و ما جرى لهم مع أقوامهم. » ثم أتى بجملة ما وقع و حدث من عظيمات الأمور، و مهمات السير؛ من حين خلق الله آدم –عليه السلام– إلى حين مبعثه. فذكر في الكتاب الذي به معجزة له، قصة آدم –عليه السلام- و ابتداء خلقه، و ما صار إليه أمره من الخروج من الجنة. ثم جملا من أمر ولده و أحواله و توبته. ثم ذكر قصة نوح –عليه السلام- و ما كان بينه وبين قومه، و ما انتهى إليه أمره. و كذلك أمر إبراهيم –عليه السلام- إلى ذكر سائر الأنبياء و الرسل المذكورين في القرآن، و الملوك و الفراعنة الذين كانوا في أيام الأنبياء. و نحن نعلم ضرورة، أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن تعلم. و إذا كان معروف أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار، و حملة الأخبار، و لا مترددا إلى التعلم منهم، و لا كان ممن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه. علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي « .
و من هذا النص الذي سقناه هنا، يتأكد أنه كان من أغراض القرآن استخدام القصة دلالة على نبوة محمد –صلى الله عليه وسلم- و من جملة الأسباب التي تؤازر ذلك، أمية النبي، و جهله بكتب المتقدمين و أخبارهم، و عدم ملازمته لأهل الآثار، أو تردّده على حملة الأخبار. و مع ذلك أتى بجملة من القصص المفصلة، من حين خلق آدم إلى بعثته. و إذا كان الأمر كذلك، فهذا لا يأتي إلا من جهة الوحي؛ لأن »إخباره عن قصص الأولين، و سير المتقدمين، فمن العجيب الممتنع على من لم يقف على الأخبار، و لم يشتغل بدرس الآثار، و قد حكى في القرآن تلك الأمور حكاية من شهدها و حضرها« .
و يؤكد الباقلاني حديثه عن إعجاز القرآن، بتقريره أن ما جاء فيه من إخبار عن أحوال الأنبياء و الرسل مع أقوامهم الغابرة، في الدهور السحيقة، هو معجزة الرسول التي تثبت نبوته، لأن ما جاء في القرآن من قصص عن الماضي البعيد، يعدّ غيبا مجهولا، لا يقدر عليه بشر، و لا سبيل إليه إلا عن طريق العلم و التعلم. و يستشهد على ذلك بأن محمدا –صلى الله عليه وسلم- لو كان ممن » يختلف إلى تعلم علم، و يشتغل بملابسة أهل الصنعة، لم يخف على الناس أمره، و لم يختلف عندهم مذهبه. و قد كان يعرف فيهم من يحسن هذا العلم و إن كان نادرا. و كذلك كان يعرف من يختلف إليه للتعليم، و ليس يخفى في العرف عالم كل صنعة و متعلما، فلو كان منهم لم يخف أمره« .
و في هذا المقام نؤثر استعراض رأي السيوطي، في هذه المسألة. إذ عدّ هو الآخر، أن من وجوه إعجاز القرآن ما تضمنه من الأخبار عن قصص الأولين، و حكى ذلك الرسول –صلى الله عليه وسلم- حكاية من شاهدها و حضرها. كما جعل دليل نبوة محمد –صلى الله عليه وسلم- و صدق رسالته » ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة، و الأمم البائدة، و الشرائع الداثرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب، الذي قطع عمره في تعلم ذلك. فيورده –صلى الله عليه وسلم- على وجهه، و يأتي به على نصه، و هو أمي لا يقرأ و لا يكتب « .
و المسألة على هذا الوضع لا تكون مستساغة، إلا إذا رجعنا إلى كتب التفسير القديمة، لنرى كيف كانت نظرة المفسرين القدامى، إلى تلك الآيات التي استشهد بها سيد قطب، على أن ما ورد في القرآن الكريم من قصص الأنبياء و الرسل، و سير الأقوام و الأمم، كان من بعض أغراضه؛ إثبات الوحي و الرسالة لمحمد –صلى الله عليه وسلم- و دليل على صدق نبوته.
و حتى نسير وئيدا على هون مع هذه المسألة، ينبغي لنا استعراض بعض أقوال المفسرين، في هذا الشأن. فإن جرير الطبري يقول عند تفسيره لقوله تعالى:  ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ؟ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ، ما نصه: »هذه الأخبار التي قصصناها عليك يا محمد، من أخبار الغيب التي لم تطلع عليها أنت و لا قومك، و لم يعلمها إلا قليل من أحبار اليهود و النصارى... و ما كنت عندهم حين اختصموا فيها أيهم أحق بها و أولى، و الغرض تحقيق نبوته –صلى الله عليه وسلم- و الحجة على أهل الكتاب« .
و يفهم من هذا النص أن الدلالة القصصية على إثبات الوحي و الرسالة، كانت واضحة عند ابن جرير الطبري، إذ يرى أن كل ما جاء في القصص القرآني من أخبار و حوادث تاريخية، كان بغرض تحقيق النبوة؛ إذ تقوم منه الحجة على أهل الكتاب الذين كان أحبارهم يعلمون بعضا من هذا القصص، الذي لم يكن متداولا بين عامة الناس. و من ثم لا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق الوحي.
و يزيد الزمخشري هذا المعنى وضوحا، فيثير تساؤلا، هو: لم نفيت المشاهدة و انتفاؤها معلوم بغير شبهة؟ و داعية هذا التساؤل، هو أن قريشا كانت تعلم علما يقينا، بأن محمدا – صلى الله عليه وسلم- لم يكن قارئا و لا كاتبا و لا مستمعا لأهل الأخبار و الآثار؛ و مع ذلك كانت منكرة للوحي. فلم يبق هناك إذن، لمحمد من سبيل إلى معرفة هذه الأخبار إلا عن طريق المشاهدة التي هي في غاية الاستبعاد و الاستحالة، فنفاها عنه القرآن على سبيل التهكم و الاستهزاء بالمنكرين للوحي .
و من ثم يعدّ الزمخشري هو الآخر، هذه الأخبار الواردة في القرآن الكريم، من الغيب الذي لا يعلم، إلا عن طريق الوحي. فيقول أثناء تفسيره للآية السالفة الذكر: »(ذلك) إشارة إلى ما سبق من نبأ زكريا و يحي و مريم و عيسى -عليهم السلام- يعني أن ذلك من الغيوب التي لا تعرفها إلا بالوحي« .
و يرى كثير من المفسرين أن الذي ذكره القصص القرآني من حديث زكريا ويحي و مريم الوارد في سورة آل عمران، من أخبار الغيب؛ فيه دلالة على نبوة محمد –صلى الله عليه وسلم- حيث أخبر عن معاينة عما جرى. و ما كان عندهم؛ بل أطلعه الله على ذلك كأنه حاضر شاهد لما كان من أمرهم.
و نحن نؤثر أن نواصل هنا عرض أقوال المفسرين القدامى حول هذه المسألة، لنرسخ في الأذهان بأن ذلك لم يكن منهم نظرة عابرة، أو التفاتة عاجلة بدون قصد؛ بل كانت غرضا دينيا مقصودا عندهم، تناقله الخلف عن السلف. فتعرضوا لدلالة القصص على نبوة محمد –صلى الله عليه وسلم- بالدرس و المناقشة، انطلاقا من الآيات التي تصرح بذلك، كقوله تعالى:  تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ، مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ  .
فجل المفسرين متفقون على أن هذه القصة و أشباهها بعض من أخبار الغيوب السالفة، التي كانت مجهولة عند الرسول –صلى الله عليه وسلم- وعند قومه من قبل إيحائها إليه، و إخباره بها على وجهها الصحيح –كأنه شاهدها دليلا على صدق نبوته و رسالته.
و أما قوله تعالى  وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأََمْرَ، وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ، وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا، وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ، إِذْ نَادَيْنَا، وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ  .
فيناقشه ابن كثير مناقشة مستفيضة، جامعا بعض الآيات التي تنص نصا صريحا، على أن ما ورد في القرآن الكريم من قصص دليل على نبوة محمد –صلى الله عليه وسلم- حيث جاء عند تفسيره لهذه الآية، ما نصه: »يقول تعالى منبها على برهان نبوة محمد –صلى الله عليه وسلم- حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد و راءٍ لما تقدم، وهو رجل أمي لا يقرأ شيئا من الكتب. نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك « .
يبين من هذا الاقتباس، الذي أوردناه هنا، أن هذا الغرض الديني كان واضحا في أذهان المفسرين القدامى. إذ نجدهم يعلقون على الآيات التي تنص نصا صريحا على دلالة القصص على ظاهرة الوحي، تعليقات تكاد تتشابه. و لا يختلفون في الحكم على أن الله أوحى هذا القصص، الذي تطاول عهده، ليكون حجة و برهانا على نبوة محمد –صلى الله عليه وسلم-.
هذا، و لمعرفة ذلك عنه المعاصرين –السابقين على سيد قطب- و حتى لا يطول بنا الحديث أكثر مما طال مع القدامى، نكتفي بالتمثيل على نظرة المعاصرين لهذا الغرض، بتفسير المنار لمحمد رشيد رضا، الذي نعتقده كافيا لإيضاح هذه المسألة.
يذكر صاحب المنار أن » العلماء، قالوا: إنّ دلالة القرآن على صدق محمد –صلى الله عليه وسلم- من ثلاثة أوجه: فصاحته و اشتماله على أخبار الغيوب و سلامته من الاختلاف « ، أي أن من أنواع إعجاز القرآن الكريم ما يتعلق بالأخبار كقصص الرسل مع أقوامهم، و هو من أخبار الغيب الماضية التي لم يكن محمد –صلى الله عليه و سلم- و لا قومه يعلمونها.
أما فيما يخص دلالة القصص عل نبوة محمد، فيبين أن إيتاء النبي الأمي أمثال هذه القصص من دلائل نبوته، إذ لولا الوحي لما عرف شيئا من هذه القصص، و هو لم يكن في أزمنة و قوعها، و لا تعلم شيئا من التاريخ، و لو تعلمه لجاء به على النحو الذي هو عند أهل الكتاب، أو غيرهم من القصاصين و رواة الأخبار. و قد قرّر الله هذه الحجة على نبوته –صلى الله عليه وسلم- في عدّة سور .
و عند تفسير صاحب المنار لقوله تعالى الوارد في سورة آل عمران:  ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ؟ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ  ، يورد حديثا طويلا للإمام محمد عبده، يناقش فيه دلالة القصة على نبوة محمد –صلى الله عليه وسلم- فقال الأستاذ الإمام معلقا على ذلك: »أعقب هذه القصة بهذه الآية الناطقة بأنها من أنباء الغيب، و أقرّ خبر إلقاء الأقلام لكفالة مريم، و ذكره في سياق نفي حضور النبي –صلى الله عليه وسلم- مجلس القوم و شهود ما جرى منهم. و لا بد لهذه العناية من نكتة« .
ثم بعد ذلك يوجه الآية توجيها يخالف غيره من المفسرين، الذين أوردنا أقوالهم سابقا؛ حيث ألفيناهم يقولون في بيان هذه النكتة من الآية: إن كونه –صلى الله عليه وسلم- لم يكن كاتبا و لا قارئا، و لا مجالسا لأحبار اليهود و النصارى، فلم يبق له طريق للعلم بهذه القصة إلا المشاهدة و هي في غاية الاستبعاد و الاستحالة، فنفاها الله تهكما بالمنكرين بالوحي. و من ثم تعيّن أنه لم يبق له سبيل لمعرفتها إلا الوحي.
و يجد الإمام محمد عبد هذا التوجيه منقوصا، رغم اتفاق جل المفسرين عليه، و ذلك أن القرآن نطق بأن المنكرين للوحي، قالوا:  ... إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ...  ، و  وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا...  ، و في هذا إيماء إلى أن هناك احتمالا قائما في كونه يعلمه أحد، و من ثم يرى أن ما ذهب إليه هؤلاء من توجيه، لا تقوم منه حجة، و لا ينهض منه دليل على المنكرين للوحي.
و الصواب عنده أن عدّ القصة من أنباء الغيب »هي أن هذه المسألة لم تكن معلومة عند أهل الكتاب، فيكون للمنكرين شبهة على أنه أخذها عنهم... و لا شك في أن إتيانه في هذه القصة بما لا يعرفه أهل الكتاب مما يؤكد دفع تلك الشبهة الواهية، و يدعم ذلك الأصل الراسخ، و هو كونه –صلى الله عليه وسلم- أميا نشأ بين أميين، لا علم لهم بأخبار الأنبياء، مع أممهم « و بغض النظر على كوننا نوافقه أو نخالفه، فإننا نحسب أنه أراد بهذا التوجيه الذي مال إليه، أن يقطع الشك باليقين، و يأتي على زعم المنكرين للوحي من أساسه.
و على هذا يمكن أن نلاحظ أن صاحب المنار يرى أن ما جاء في القرآن الكريم من قصص، يعدّ آيات معجزات، لو عقلها الدارسون و تدبروا معانيها، لكان لهم منها آيات بينات على صدق دعوة محمد –صلى الله عليه وسلم- لما فيها من بيان سنن الله في الأمم الغابرة، و عاقبة أمرهم مع أنبيائهم و رسلهم، و غير ذلك من الحكم و العبر.
هذه هي القضية كما يتصوّرها و يصوّرها القدماء و المحدثون؛ و هي أن قصص القرآن بعامته يثبت الوحي و الرسالة لمحمد –صلى الله عليه و سلم-؛ لأن كثيرا مما قصّه كان غيبا مجهولا للنبي و قومه، و معاصريه.
و حجتهم في أنّ القصص القرآني تحدّى العرب بما فيه من إخبار بالغيوب، و أنه تحدّ قائم على الزمن كله، و على البشر بجميع أجناسهم، و أجيالهم المتعاقبة، غير أنّ هناك من لا يأبه لهذا الأمر، و لا يفكر في إتيان رجل أمي بخلاصة أخبار أقدم الأمم، و أعرق الحضارات، و أشهر الرسل مع أقوامهم، اعتقادا منه أن ما في القرآن من ذلك يشبه ما في غيره من أسفار أهل الكتاب، و كتب التاريخ.
و الحق غير ذلك؛ لأن الفرق بين ما في القرآن و ما في غيره، من وجوه كثيرة أهمها في كونه ظهر على لسان أمي نشأ بين الأميين؛ و مع ذلك أتى بهذا القصص من الماضي البعيد كما وقع، و احتج به على أهل زمانه، فلم يستطيعوا إنكار ذلك أو رده، و هم الذين انتصبوا لعدواته وحربه.
و في ضوء هذا نستطيع أن نقول: إن سيد قطب ليس مؤسسا لهذه الآراء التي يقول بها هنا فيما يخص إثبات الوحي والرسالة لمحمد –صلى الله عليه وسلم-.
و ليس هو الذي كشف عن هذا الغرض، و أقام الشواهد له من القرآن، و نصب الأدلة له؛ بل هو مسبوق إلى هذا الغرض الديني من قبل المتقدمين عليه.

و كل ما في الأمر أنه وضع قدميه على موضع قدمي سالفيه؛ و لمس بيده آثار السابقين؛ و قرّر حقيقة مقررة، و لم يجئ في نظرته إلى هذا الغرض الديني بشيء جديد يخالف به رأي القدامى، أو يزيد عليه. باستثناء طريقة العرض المنطقي، و الطرح الجيد للمسألة.

4- بيئة الوحي و القصص القرآني:
ونحن نأبى تجاوز هذا الأمر دون إشارة لا بد منها، و هي أن ما سقناه من آيات قرآنية، و ما أوردناه من فهوم لها، كل أولئك يثبت بأنّ ما ورد من قصص و أخبار متصلة بالأمم الغابرة، لم تكن معروفة عند الرسول –صلى الله عليه وسلم- و لا عند العرب قبل نزول الوحي؛ بل كانت من أنباء الغيب التي ساقها الله كدليل قاطع على أنّ هذا القرآن من عند الله، الذي يعلم الغيب، و ما مضى من حوادث التاريخ.
إلا أن هناك من يرى عكس ذلك، و يقول: »إن ما ورد من قصص و أخبار متصلة بالأمم السابقة و أحداثها لم يكن غريبا عن السامعين إجمالا، سماعا أو مشاهدة آثار، أو اقتباسا أو تناقلا، و سواء ما هو موجود في الكتب المنزلة المتداولة مماثلا أو زائدا أو ناقصا أو مباينا لما جاء في القرآن. و ما لم يكن موجودا فيها مما يتصل بالأمم و الأنبياء الذين وردت أسماؤهم فيها مثل قصص إبراهيم المتعددة مع قومه، و تسخير الجن و الريح لسليمان، و قارون و العبد الصالح مع موسى، و مائدة المسيح، أو مما يتصل بغيرهم من الأمم و البلاد العربية و أنبيائهم مما لم يرد أسماؤهم فيها مثل قصص عاد و ثمود و سبأ و تبع، و شعيب و لقمان و ذي القرنين« .
و يعتقد محمد عزة دروزة أن في القرآن شواهد، و قرائن و نصوصا عديدة، تؤيد ما يذهب إليه من رأي. و يستشهد على ذلك بما جاء في سورة غافر:  أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ، كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ. فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ  ، و بما جاء في سورة الروم:  أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ، فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأََرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ، وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  .
و يستشهد أيضا، على أن القصص القرآني كان معروفا لدى العرب، بقوله تعالى:  وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  . و بما ورد في سورة العنكبوت  وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ  ، و في سورة هود  ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ، و كذلك بما جاء في سورة إبراهيم  وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الْأَمْثَالَ  .
و من ثم يرى أن هذه الآيات التي استعرضها، فيها دلالة واضحة، على أن العرب كانوا يعرفون أخبار الأنبياء و الرسل، و الأمم السالفة معرفة كلية.
و يحاول أن يعلل مدعاه، بأن المخاطبين أو السامعين، إنما يتأثرون بما احتوته القصة من موعظة، أو تذكرة، أو من دعوة إلى التأسي و الإرعواء و التدبر في العاقبة، إذا كان الذي تورده عليهم القصة مما يعرفونه كليا أو جزئيا، مفصلا أو مقتضبا. أما إذا لم يكن ذلك معروفا، فإنه لا يؤثر تأثيرا مستحكما. سيما و أن المخاطبين كافرون بأصل الدعوة، أو جاهلون للحادثة التي يراد استخراج العبرة منها .
ثم يناقش الآيات التي تنص نصا صريحا، على أن ما جاء في القرآن الكريم، من قصص يعد من أنباء الغيب التي كانت مجهولة عند الرسول –صلى الله عليه وسلم- وقومه؛ فيلاحظ أن قصة نوح، و يوسف، قد وردتا في التوراة قريبتين جدا مما وردتا في القرآن، و أن التوراة كانت متداولة عند الكتابيين الذين كانوا يعيشون في عصر النبي –صلى الله عليه وسلم- و بيئته، قبل البعثة و بعدها. كما أن أهل بيئة الرسول كانوا على صلة بالبلاد المجاورة الكتابية الدين، كالشام و العراق، و الحبشة، و مصداق ذلك ما جاء في القرآن من آيات تفيد صراحة أن العرب كانوا يسمعون من أهل الكتاب أشياء كثيرة عن كتبهم .
كما أنه يستشهد على أن العرب السامعين للقرآن، كانوا يعرفون هاته القصص، بأصنام قوم نوح، التي جاء ذكرها في القرآن الكريم ، وهي: وِدّ و سُوّاع، و يغوث، و يعوق، و نسر، على أنها كانت من الأصنام المعبودة عند بعض القبائل العربية، و قد تسمي بعض الأفراد بأسمائها، مثل عبد يغوث، و عبد ودّ. و مما يصحّ إضافته إلى القرائن التي تفيد بأن العرب كانوا يعرفون أخبار الأنبياء و الأمم السابقة، التي ورد ذكرها في القرآن، ما أورده المفسرون من بيانات كثيرة في سياق كل قصة، معزوّة إلى علماء السير و الأخبار .
و عندما يثير محمد أحمد خلف الله هذه المسألة، في كتابه »الفن القصصي في القرآن الكريم«، يرجع ذلك إلى الرأي الديني الذي كان يقول به أهل الكتاب، من اليهود الذين كان من مقاييسهم في »التفرقة بين النبي و المتنبي، أن النبي يعلم الغيب، و أن من علوم الغيب معرفة أخبار السابقين من الرسل و الأنبياء و غيرهم « .
و يستشهد على ذلك بوفد قريش الذي بعثت به إلى أحبار اليهود بالمدينة، ليسألوا عن محمد وصفته، لأنهم كانوا أهل كتاب، و عندهم من علم الأنبياء ما ليس عند العرب. و هي قصة معروفة أوردها المحدّثون و المفسرون في آيات نزول سورة الكهف . و بعدما يثبت تلك الرواية كاملة؛ يعلق عليها بعبارة هذا نصها: »فإنّ هذا النص كما ترى يد لنا على أن اليهود هم الذين كانت بأيديهم المقاييس التي يفرقون بها بين الصادق و الكاذب من النبيين و المتنبئين، ثم هو يدلنا على أن معرفة أخبار السابقين كانت من ضمن هذه المقاييس « .
و يرى أن القرآن نفسه قد اعتمد في الإيحاء بنبوة محمد –صلى الله عليه وسلم-، على هذا المقياس الذي كانت تعتمد عليه اليهود، و ذلك بما جاء فيه من آيات يستفاد منها أن ما ورد في القرآن من قصص و أخبار، يعدّ من أنباء الغيب التي كانت مجهولة عند النبي –صلى الله عليه وسلم- و قومه، فأوحاها الله إليه دليلا على نبوته و صدق رسالته.
فبعدما يعرض أحمد خلف الله تلك الآيات التي توحي بنبوة محمد –صلى الله عليه وسلم- بمعرفته لأخبار الغيب؛ يعلق عليها بقوله: » و الظاهرة التي يحسن بنا الالتفات إليها في هذا المقام هي أن القرآن حين جعل هذه الأخبار من آيات النبوة و علامات الرسالة؛ جعلها أيضا مطابقة لما في الكتب السابقة أو لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار، حتى ليخيل إلينا أن مقياس صدقها و صحتها من الوجهة التاريخية و من وجهة دلالتها على النبوة و الرسالة أن تكون مطابقة لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار « .
و مما يستدل به أيضا، على أن هذه الأخبار التي وردت في القصص القرآني كانت معروفة عند العرب و غيرهم، هو أن المشركين و الكفار من أهل مكة، لم يؤمنوا بصدق النبي –صلى الله عليه وسلم- و صحة رسالته اعتمادا على ما جاء في هذا القصص من أخبار، » و ليس يرجع ذلك إلى أن هذه الأخبار لا تتفق و معارفهم التاريخية، فيظهر أنها كانت تتفق و ما يعرفون، و إنما يرجع ذلك فيما هو الواضح من آيات القرآن الكريم إلى أن المشركين كانوا يعتقدون أن الوقوف على أمثال هذه الأخبار الواردة في القصص القرآني ليس شاقا و لا عسيرا. فضلا عن أن تكون مستحيلة... و من هنا ذهبوا إلى أن محمدا –عليه السلام- يكتب هذه الأخبار، و أنها ليست من الوحي، و أن الذي يعلمه إياه بشر ... بل ذهبوا إلى أبعد من هذا، فذهبوا إلى أنهم يستطيعون الإتيان بمثل هذه الأساطير « .
و هكذا يبدو، في نظر خلف الله، أن ذلك المقياس الذي اعتمده القرآن الكريم في الإيحاء بنبوة محمد –صلى الله عليه وسلم-، و صدق رسالته، و المتمثل في الإتيان بأخبار الغيب، لم يكن له كبير قيمة عند المشركين، و ذلك لسببين، أولهما: أن تلك الأخبار التي جاءت في القرآن كانت تتفق و معارفهم التاريخية، و ثانيهما: اعتقادهم بأن الوقوف على أمثال هذه الأخبار ليس بالأمر العسير، و لا المستحيل.
كما أن اعتقاد المسلمين بأن ورود هذه الأخبار في القصص القرآني، هو من دلائل النبوة، و صدق الرسالة، جعلهم يصدرون في فهمهم لهذا القصص عن ثقافة تاريخية، بتفسيرهم ما جاء فيه من أنباء تفسيرا تاريخيا، و بسبب هذا الصنيع، قامت في وجوههم عقبات كثيرة، منها: عدم وصولهم إلى وجه الحق في كثير من المسائل، من ذلك مثلا تخبطهم في شرح كيفية دخول إبليس الجنة، و اختلافهم اختلافا بين حول قصة الذي مرّ على قرية و هي خاوية على عروشها. و عجزهم عن فهم الأسرار التي من أجلها كان التكرار، و عدّهم ذلك من الآيات المتشابهات، و عدم توفيقهم بين المادة القصصية و الحقيقة التاريخية .
5- موازنة و رأي:
هذا، و إذا ما جئنا إلى سيد قطب، و حاولنا أن نعقد مقارنة بينه و بين دروزة؛ و نظرنا إلى ما استشهد به دروزة من آيات قرآنية، على أن أخبار القصص القرآني كانت معروفة لدى المخاطبين بهذا القرآن؛ تبين لنا أن سيد قطب يرى أن الغرض منها، هو التذكير و التحذير من أجل الاعتبار بعبر التاريخ.
فهو يرى أن ما جاء في آيات سورة الروم و سورة غافر دعوة إلى التأمل في مصائر الغابرين، لأن مصائرهم الماضية، تكشف عن مصائر خلفائهم الآتية، و أن القرآن يدعوهم إلى السير في الأرض، و لا ينعزلوا، و أن يتدبروا عاقبة المكذبين، و أن يتوقعوا مثلها، لأن سنة الله في الظالمين واحدة، و أنها لا تحابي أحدا.
كما أن هذه الآيات تُذكّر المجادلين في آيات الله من مشركي العرب بعبرة التاريخ قبلهم، و تدعوهم إلى السير في الأرض من أجل رؤية مصارع الغابرين، الذين كانوا أشد منهم قوة، و مع ذلك لم تنفعهم قوتهم أمام بأس الله .
أما باقي الآيات الأخرى، ففيها لمسة لقلوب العرب الذين يمرون صباح مساء، على ما بقي من آثار الغابرين » و لا تستيقظ قلوبهم، و لا تستمع لحديث الديار الخاوية و لا تخاف عاقبة كعاقبة المكذبين« . و لا تتعظ بما حل بالقرى التي يرون مساكن أهلها الداثرين خاوية على عروشها، خالية من أهلها، بعد العز و التمكين.
كما أن في هذه الآيات تعجبا من أمر العرب الذين يشاهدون مساكن الظالمين شاخصة أمامهم، خالية من أهلها، و هم خلفاء فيها، و مع ذلك يقسمون بأن مالهم من زوال .
فهذه الآيات، إذن، تنم عن غرض ديني آخر، من أغراض القصص، و هو التذكير و الاتعاظ ، بما بقي من آثار المكذبين، الذين حلت بهم النقمة، و الدعوة إلى الاعتبار بما يعرفون من أخبار جزئية عن الأمم السابقة. و ليس القصد منها إطلاقا، أن المخاطبين كانوا على علم بكل تفصيلات الأخبار الواردة في القصص القرآني.
و قد انتهى الزمخشري، في كشافه، إلى ما انتهى إليه سيد قطب؛ حيث يرى أن هذه الآيات تقرير لسير العرب في البلاد، و نظرهم إلى آثار المدمرين من الأقوام العاتية، الذين يمرون على بقايا ديارهم في متاجرهم إلى البلدان المجاورة ليلا و نهارا، فما فيهم من عقول يعتبرون بها .
و أن هذه الآيات فيها تخويف لكفار مكة و مشركيها » من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم من إنعام الله عليهم بالرقود في ظلال الأمن، و خفض العيش، فغمطوا النعمة و قابلوها بالأشر و البطر، فدمرهم الله و خرب ديارهم « .
و على الرغم من أن أهل مكة، قد تبين لهم بالإخبار و المشاهدة، كيف أهلك الله القرى، التي لا يزال بعضها باقيا، و بعضها عافى الأثر، و هم يمرون عليها في أسفارهم، و يبصرونها عينا، متمكنين من النظر و الإفتكار، و لكنهم لا يرونها عقلا، و بالتالي لا يتدبرونها قصد الاعتبار و الاتعاظ .
و كذلك ينظر ابن كثير النظرة نفسها إلى هذه الآيات، من كونها دعوة للجاحدين إلى السير في الأرض » بأفهامهم و عقولهم و نظرهم وسماع أخبار الماضين « ، لينظروا و يتفكروا في الأمم الماضية، و القرون السالفة، الذين كانوا أشد منهم قوة، و أكثر أموالا، و أعز نفرا، فأخذهم الله بذنوبهم و ما كان لهم من الله من واق.
و يرى أيضا، أن في هذه الآيات تعريضا بأهل مكة، الذين طغوا وأشروا، و جحدوا نعم الله، لا يخافون أن يحل بهم، ما أحل بالأقوام السابقة الذين دثرت ديارهم، فلا ترى إلا مساكنهم التي صارت خرابا بعد عين.
و العجب كل العجب أن الجاحدين من العرب يمرون على هاته الآثار، و لا يعتبرون بهذه الديار التي دمرها الله، و هم يعلمون أن للكافرين أمثالها، مع ذلك لم يكن لهم فيها معتبر، و لم يكن لهم فيما أوقعه الله بأهلها مزدجر .
و كثير من المعاصرين من حذا حذو سيد قطب، من كون القصص القرآني بعامة إثبات للوحي و الرسالة، فكثير مما قصه كان غيبا مجهولا لمحمد –صلى الله عليه و سلم- و لقومه، و لا يتسنى لبشر مهما طال بحثه، أو طار طائره، الوصول إلى تفصيلاته الدقيقة، و جزئياته الصغيرة التي وردت في شأن الرسل و الأنبياء، و ما جرى بينهم و بين أقوامهم، من صدّ و إقبال؛ لأن » مثل هذه التفصيلات الصادقة مما لم يكن يمكن أن تتناوله معارف العارفين، و دراسات المتخصصين« .
كما أن كثيرا من هؤلاء المعاصرين من ردّ ردا عريضا على خلف الله، في نفيه لدلالة القصص على صدق الوحي، و علامة الرسالة .
و تستوقفنا هاهنا قضية، هي أنها لو كان العرب يعرفون هذا القصص مثلا -كما يزعم الزاعمون- » و أنها كانت من قصصهم الشعبي الذي يتداولونه في أسمارهم، أفكان العرب -و فيهم أشد أعداء النبي- من يسكت على قوله تعالى الذي جاء في نهاية قصة نوح: (و ما كنت تعلمها أنت و لا قومك من قبل هذا)، أليس من المنطق أن أعداء المصطفى –صلى الله عليه و سلم- و قد كانوا دائما على يقظة يتمنون أقل ثغرة، ليوجهوا من خلالها ضرباتهم، ويحولوها إلى سخرية و استهزاء، سوف يجيبونه أنهم يعرفون القصة، بل و إنها من أساطيرهم التي تفيضوا بها مجالسهم و نواديهم، و لكن التاريخ لم يحدثنا عمن أنكر على الرسول هذه الآية الكريمة، مما يدل على أن ما جاء به القرآن الكريم من أخبار الأمم البائدة، كان شيئا يكاد يجهله العرب جهلا تاما، و إن كان يعلم بعضا منه أهل الكتاب الذين درسوا التوراة و الإنجيل « .
و نحن نعتقد أن أخبار القصص القرآني لم تكن معروفة، في بيئة الرسول –صلى الله عليه وسلم- حتى و إن كان بعضها معروفا من قبل بعض الأشخاص؛ فإنها لم تكن منتشرة بالقدر الكافي الذي يجعلها متداولة بين جميع الناس. » و ليس صحيحا كذلك ما ذهب إليه البعض من أنه لا شك أن إشارات القرآن الكريم إلى كثير من القصص، إنما هو دليل على أنها كانت من القصص الشعبي السائد الذي كان يتداوله الناس في بلاد العرب، ذلك لأن العرب ما كانوا يعرفون شيئا عن كثير من قصص القرآن « .
و أكبر الظن أن هذه الأخبار الواردة في القصص القرآني لم تكن معروفة في محيط الدعوة الإسلامية كل المعرفة، و ذلك للأسباب الآتية :
1- كثرة الآيات القرآنية التي تنفي على النبي –صلى الله عليه وسلم- و قومه، نفيا قاطعا معرفتهم بهذه الأخبار والأنباء القرآنية.
2- الأسئلة التي كانت توجه للرسول –صلى الله عليه وسلم- من أهل الكتاب، فيما يخص بعض أخبار الغيب؛ و لم يكن يجب عليها في حينها؛ بل كان ينتظر الوحي من السماء، لأنه لو كان يعلمها لأجاب عنها في حينها. كما أن هذا يعني أن أهل الكتاب لو كانوا يعلمون أن هناك من يعلمها، لاتهموا الرسول –صلى الله عليه وسلم – بنقلها عنه. و هذا لم يحدث. و هو دليل على أن تلك الأخبار لم تكن منتشرة بشكل واضح في البيئة العربية.
3- و كدليل على أن القصص لم يكن معلوما عند النبي، و لا عند قومه، وفد قريش إلى أحبار اليهود في المدينة، ليتبينوا مدى صحة هذا القصص الذي يحدث به محمد. فلو كانت تلك الأخبار متداولة بين الناس، و معروفة في البيئة العربية، لما سألت عنها قريش أهل الكتاب.
4- هذا، من جهة، و من جهة أخرى، فإن أسئلة أهل الكتاب كانت أسئلة تعجيزية، لأنهم كانوا يعلمون علم اليقين بأن ما يسألون عنه لم يكن معروفا من قبل العرب. و ذلك لأنها من أخبار الماضي السحيق، و من أسرار الهيكل المطمورة.
5- فكثيرا، ما نمر نحن الآن على الآثار التاريخية، و لا نعلم عن أصحابها شيئا. و من ثم فإن تلك الآيات التي ساقها أصحابها من أجل الاحتجاج بها، على أن أخبار القصص القرآني كانت معروفة، في الوسط الذي نزل فيه الوحي، فهي آيات تشير كلها إلى آثار الأقوام التي أهلكها الله، و تدعو إلى التفكر فيها من أجل العبرة. فوجود تلك الآثار لا يعني بأي حال من الأحوال، معرفة أخبار أصحابها جملة و تفصيلا. و هذا ما كان يعيبه القرآن على مشركي قريش؛ كيف يمرون ليلا و نهارا على تلك الآثار، و لم يسألوا عن أخبار أهلها، أو عن الأسباب التي من أجلها دمرت و خربت، لكي يعتبروا، و يرعووا عن غيهم.
6- و قريب من هذا ما جاء في تفسير المنار، من أن » أهل مكة و من ورائهم العرب كانوا ينكرون الرسالة والوحي، على كونهم أميين ليس عندهم من علوم الأمم و قصص الرسل شيء. إلا أن يكون كلمة في بيت شعر مأثور، أو عبارة ناقصة من بعض أهل الكتاب حيث كانوا يلقونهم من بلاد العرب أو الشام، أو ممن تهوّد أو تنصّر منهم، و كلهم أو جلهم ظلوا على أميتهم « .
و مما نميل إليه أن هذه الأخبار لم تكن معروفة كل المعرفة، بجزئياتها و حيثياتها، لا في كتب التاريخ، و لا في الكتب السماوية. و هذا لا يمنع من أن بعض العموميات كان معروفا لدى أهل الكتاب من يهود و نصارى. و لم تكن مطابقة لما عندهم من أخبار، لأنه لو كان الأمر كذلك، فإن هذه الأخبار لا تقوم منها حجة على الناس.
و هذا لا يعني بأي حال من الأحوال، أننا نقول بأن » العلم بأسماء بعض الأنبياء و الأمم الماضية و بمجمل ما جرى من حوادث التدمير في ديار عاد و ثمود و طوفان نوح و أشباه ذلك لم يصل قط إلى الأميين؛ فإن هذه النتف اليسيرة قلما تعزب عن أحد من أهل البدو أو الحضر، لأنها مما توارثته الأجيال و سارت به الأمثال. و إنما الشأن في تلك التفاصيل الدقيقة و الكنوز المدفونة في بطون الكتب فذلك هو العلم النفيس الذي لم تنله يد الأميين و لم يكن يعرفه إلا القليل من الدارسين. و إنك لتجد الصحيح المفيد من هذه الأخبار محررا في القرآن « .
و هكذا ننتهي إلى خلاصة مفادها أن ما قصه القرآن الكريم من أنباء الغيب لم يكن معروفا على وجهه الصحيح كما وقع. و لم يكن مفصلا التفصيل الذي ورد عليه في القصص القرآني.
و يمكن أن يقال بعامة إن تلك التفاصيل الدقيقة، و الأخبار الصحيحة المفيدة التي جاء بها القصص القرآني هي التي لم تكن معروفة كل المعرفة عند أهل الكتاب، و لم تنلها يد الأميين في شبه جزيرة العرب.
و من ثم حق لنا أن نقول: إنه لا سبيل لأمي يعيش بين أميين، في بيئة تكاد تخلو من كل الديانات السماوية، إلا من بعض الأحناف، و فئة قليلة من أهل الكتاب مغلقة على نفسها، أن تجيش نفسه بمثل هذه الحقائق التاريخية التي لا تدرك بالشعور و الوجدان، و لا تستنبط بالعقل و التفكير و دقة الملاحظة. فهي و الحال كذلك لا سبيل لها إلا عن طريق الوحي؛ لأنها –كما قلنا قبلا- أرقى من فكر حاملها، و من مستوى عصره كله.

الفصل الثاني
السردية التاريخية و الحقائق العقيدية



1. تصحيح التصور العقيدي
2. مواجهة النص الديني بدون تصور ذهني سابق
3. المرتكزات العقيدية
4. مقاربة ونقد
5. أصل الدين و مصدره
6. بيان وحدة الدين و وحدة الدعوة






1- تصحيح التصور العقيدي:
بعد معالجة غرض إثبات الوحي و الرسالة لمحمد –صلى الله عليه و سلم- و أنه رسول من رب العالمين، يعالج سيد قطب غرضا آخر من أغراض القصص القرآني؛ بل يعالج غرضا من أشد الأغراض الدينية أهمية، و أوسعها ذكرا في القرآن الكريم؛ و هو الدعوة إلى الإيمان بوحدة الوحي، و وحدة الدين، و وحدة الرسالة و الرسل. و هذا الغرض عنصر أساس من عناصر الإيمان، و ركن من أركان العقيدة السليمة.
و مما ينبغي الوقوف عليه في البدء، و التنبيه إليه، هو أن القصة القرآنية، في عمومها، جاءت لتركز على وحدانية الله و تعمقها في النفوس، و تبصر بها العقول، و تحيي بها القلوب الميتة. و على الرغم من أن القصص القرآني شغل مساحة واسعة من كتاب الله، فإنه لم يركز على غرض من أغراضه المختلفة بقدر ما ركز على الدعوة إلى العقيدة السليمة.
و من ذلك، أن قصة موسى في سورة طه ، تقرر وحدانية الله عزّ وجل. فقوله تعالى:  فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى  ، يراه سيد قطب أنه يلخص ما يوحى في أمور مترابطة لا انفصام بينها، و هي: »الاعتقاد بالوحدانية، والتوجه بالعبادة، و الإيمان بالساعة، و هي أسس رسالة الله الواحدة« .
و هذه المرتكزات الإيمانية الثلاثة، هي ما عبّر عنه قوله تعالى مخاطبا موسى:  إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى. فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى  .
فالله سبحانه و تعالى في ندائه إلى موسى، يؤكد على الألوهية الواحدة التي هي قوام العقيدة بكل المؤكدات، كما يقول سيد قطب، كالإثبات المؤكد في قوله: » إنني أنا الله« ، و بالقصر المستفاد من النفي و الاستثناء: »لا إله إلا أنا«، فالشطر الأول من الآية، يراه لإثبات الألوهية لله، و الثاني لنفيها عن سواه. و من ثم فإن العبادة المترتبة على الألوهية الحقة، في تقديره، ينبغي أن تظهر في سلوك الفرد و تصرفاته، و في كل نشاط من نشاطات الحياة المختلفة، وذلك تحسبا ليوم الموعد الذي تترقب فيه النفوس الجزاء العادل .
و في تصور سيد قطب، أن هذه المرتكزات الإيمانية الثلاثة، مترابطة، و مرتبة ترتيبا عقليا؛ فالإيمان الصحيح تنجم عنه العبادة الخالصة، التي ينعكس أثرها الإيجابي على نفس المؤمن، فيظهر ذلك في أقواله و أفعاله؛ فيفعل الخير، و يتجنب الشر خوفا من يوم الحساب.
ففي رأيه أن القصص الوارد في سورة الأنعام ، و التعقيب عليه، لمحة واحدة، يتناول موضوعا متصل الفقرات... إنه يعالج الموضوع الديني الأساس، و هو بناء العقيدة على قاعدة من التعريف الشامل بحقيقة الألوهية، و حقيقة العبودية، و ما بينهما من ارتباطات. يعالجه في أسلوب قصصي، مع استصحاب المؤثرات الموحية كمشهد الاحتضار الكامل السمات .
و هذا القصص في جملته يعرض حقيقة العقيدة من لدن نوح إلى محمد –عليهما السلام- و حقيقة العقيدة، في مفهوم سيد قطب، راسخة في أعماق النفس، و مركوزة في الفطرة السليمة، و ما يدعم تصوره هذا، استعراض القصص لحقيقة الألوهية كما تتجلى في نظرة إبراهيم –عليه السلام- التأملية ، في الأجرام الكونية، تلك النظرة التي انتقل على إثرها من نقطة الإيمان الفطري إلى نقطة الإيمان الواعي، الذي يجده في ضميره، و في عقله، و في الوجود من حوله.
و من هنا يرى سيد قطب، أن فطرة إبراهيم التي أنكرت و استنكرت الانحرافات العقيدية، و التصورات الخاطئة عن الإله، و التي لا تتطابق مع ما يرتسم في أعماق النفس عن الإله الحق، و لا تقوم على ما يجده الإنسان في أطوائه من برهان داخلي أقوى و أثبت من المشهود المحسوس، هي النموذج الكامل للفطرة التي فطر الله الناس عليها .
و نعتقد أن ما يذهب إليه سيد قطب من رأي يجد مصداقه في قوله –صلى الله عليه وسلم-: »كل مولود يولد على الفطرة و إنما أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه « . و هذا معناه أن الانحراف عن العقيدة الصحيحة، ليس فطرة أو غريزة في الإنسان، و إنما هو شيء مكتسب خاضع للهداية و التربية و التوجيه، ينشأ من المحيط الذي يعيش فيه الإنسان، و من الوسط الذي يتربى فيه.
و الحقيقة الكبيرة التي يبرزها القصص القرآني بحوادثه و مشاهده، و تعقيباته، هي إعلان الألوهية الواحدة، و الربوبية، التي تستحق العبادة بلا شريك. و لقد حرص القصص الحرص كله على تصحيح عقيدة التوحيد، و تجريد الديانات السماوية و الكتب المنزلة من الخرافات و الأساطير التي ألبست بها، و يعود حرص القصص على تخليص العقيدة من كل ما علق بها من شوائب الأوثان، في نظر سيد قطب، إلى أن التوحيد ضرورة فردية و اجتماعية وحقيقة » أولية كبيرة يقوم عليها هذا الوجود كله؛ و يشهد بهذا الوجود شهادة واضحة أكيدة. و لأن هذا التوحيد في الوقت ذاته قاعدة لا تصلح الحياة البشرية كلها في أصولها و فروعها إلا إذا قامت عليها « .
و على هذا يرى سيد قطب أن كل ما ورد في القرآن من قصص عن عيسى –عليه السلام- جاء لتصحيح العقيدة، و تطهيرها من ألوان الشرك، و تقويم ما دخل عليها من انحراف، لا علاقة له أصلا بدين الله . و من ثم فإن القصص القرآني يستهدف تقرير حقيقة الألوهية، ليقيم البناء الاجتماعي كله على حقيقة التوحيد التي لا يقوم بناء الحياة إلا مسندا إليها.
و يفهم من هذا، أن اهتمام القصص القرآني اهتماما بالغا بتصحيح التصور الاعتقادي، يدل على أن بناء الحياة الإنسانية لا يبلغ تمامه، إلا إذا قام على قاعدة التوحيد المطلق، كما يدل هذا الاهتمام أيضا، على أن التوحيد الكامل الحاسم هو محور لكل سلوك إنساني، و لكل ارتباط اجتماعي.
و قيمة التوحيد الخالص، تكمن في التحرر. و قصة امرأة عمران –أم مريم- تكشف لنا عن المعنى البليغ للتحرر، إذ توجهت إلى ربها بقلب عامر بالإيمان:  إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي. إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  .
و من وجهة نظر سيد قطب، فإن هذا النص الديني، الذي يعبر عن الخلوص المطلق بأنه تحرر، يوحي بأن لا تحرر حقا إلا لمن أخلص لله الإخلاص كله، بوجدانه و سلوكه، و نجا هواه من العبودية لكل قيمة من قيم الحياة. فالتحرر، عنده، أن يفر الإنسان إلى الله بجملته، و ما عداه عبودية و إن تراءت في صور الحرية! فبهذا المعنى يكون التوحيد هو الصورة المثلى للتحرر، التي جاء بها الإسلام في عالم الإنسان؛ » فما يتحرر إنسان و هو يدين لأحد غير الله بشيء ما في ذات نفسه، أو في مجريات حياته، أو في الأوضاع و القيم و القوانين و الشرائع التي تصرف هذه الحياة. لا تحرر و في قلب الإنسان تعلق أو تطلع أو عبودية لغير الله. و في حياته شريعة أو قيم أو موازين مستمدة من غير الله « .
و يفهم من هذا النص، أن النظام الإسلامي وحده من بين سائر النظم هو الذي يكفل حق التحرر. بينما في الأنظمة الأرضية يتخذ الناس بعضهم أربابا من دون الله، و نجد هذه الحال قائمة على مر التاريخ في أرقى الديمقراطيات، أو في أحطّ الديكتاتوريات .
فإذا كان التوحيد الخالص، و التوجه إلى الله كلية ينم عن التحرر من كل قيد، و التجرد من كل شيء؛ فإنّ الإعراض عن حقيقة التوحيد ينم عن فساد عظيم في الأرض. و هذا الفساد يحصره سيد قطب في تعدد الأرباب و الآلهة، و إدّعاء فرد من الأفراد أن له على الناس حق الطاعة لذاته، و حق التشريع و إقامة القيم و الموازين للناس و إلزامهم باتباعها. و من يدعي هذا، في نظره، فإنما ادعى الألوهية، و من أقرّ به فقد أشرك بالله .
و من هنا، يرى سيد قطب أن حقيقة الدين الخالص، لا تقتصر على المشاعر الوجدانية وحدها، و لا على الشعائر التعبدية و حدها كذلك، و لا على الجانب الأخلاقي وحده؛ بل يتضمن تنظيما لحياة الناس في كل المجالات، و في كل النشاطات. و أن أولى خصائص التوحيد الربوبية التي تعني عنده »حق إقامة النظم و المناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين .. وهذا الحق في جميع الأنظمة الأرضية يدعيه بعض الناس، ويرجع الأمر فيه إلى مجموعة من الناس « .

2- مواجهة النص الديني بدون تصوّر ذهني سابق:
إن سيد قطب لم يتوسع في غرض من الأغراض القرآنية التي عالجها، بقدر ما توسع في هذا الغرض. فكل كتاباته تدور حول الدعوة إلى العقيدة السليمة، و بيان أهميتها في حياة الفرد و المجتمع.
و لقد كان لسيد قطب منهج متفرد في دراسة العقيدة معتمدا على أوثق المصادر أصولا و هما: القرآن و السنة. و التخلص من مختلف الرواسب الثقافية، إذ كان يصرّح، أنه حاول قدر الإمكان الابتعاد عن المواقف المتحيزة، و عدم الانطلاق من قناعة مسبقة، أو رأي تفضيلي.
و أوضح منهجه هذا بجلاء في كتابه » خصائص التصور الإسلامي و مقوماته «، حيث يقول: » منهجنا إذن في هذا البحث عن خصائص التصور الإسلامي و مقوماته أن نستلهم القرآن الكريم مباشرة. بعد الحياة في ظلال القرآن طويلا –و أن نستحضر- قدر الإمكان. الجو الذي نزلت فيه كلمات الله للبشر، و الملابسات الاعتقادية و الاجتماعية و السياسية التي كانت البشرية تتيه فيها وقت أن جاء هذا الهدى. ثم التيه الذي ضلت فيه بعد انحرافها عن الهدى الإلهي. و منهجنا في استلهام القرآن الكريم، ألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقا. و لا مقررات عقلية و لا مقررات شعورية –من رواسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاته– نحاكم إليها نصوصه؛ أو نستلهم معاني هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة « .
فسيد قطب ينظر إلى النص الديني –ابتداء- ليقرر حقيقة العقيدة الصحيحة، التي ينبغي أن تقوم عليها تصورات البشر، و ليست هناك مقررات سابقة تحاكم إليها العقيدة. و من ثم يرفض كل محاولة تريد صياغة التصور الإسلامي في قالب فلسفي مستعار من المعارف البشرية.
و بهذا يكون سيد قطب قد خالف الفيلسوف الهندي » إقبال « الذي حاول أن يصوغ التصور الإسلامي في قالب فلسفي مستعار من عند فلاسفة الغرب الذين حاولوا حصر الحقيقة في العبارة، و مخاطبة الفكر وحده، عن طريق الشرح و التعليل؛ أما النص الديني فله أسلوب آخر في عرض العقيدة، إذ لم يحاول حصر الحقائق العقيدية في منطوق العبارة التي تخاطب العقل وحده؛ بل يخاطب الكينونة الإنسانية بكل جوانبها، و يصل إليها من جميع منافذ المعرفة فيها، عن طريق اللمسة المباشرة، و الإيحاء و الإيقاع، أو بكل ما يمكن أن توحي به العبارة أو التركيب .
و ينتقد مناهج بعض الدارسين المسلمين في أخذ العقيدة، الذين يحاولون عرضها في قالب كلامي غريب، أو ينظرون إليها بمنظار فلسفي قائم على الجدل، حيث يرى في هذا الأسلوب الغريب تعقيدا و جفافا، فيقول: » و قضية الجبر و الاختيار كثر فيها الجدل في تاريخ الفكر الإسلامي بين أهل السنة و المعتزلة و المجبرة و المرجئة... و تدخلت الفلسفة الإغريقية و المنطق الإغريقي اللاهوتي المسيحي في هذا الجدل، فتعقد تعقيدا لا تعرفه العقلية الإسلامية الواضحة الواقعية.. و لو أخذ الأمر بمنهج القرآن المباشر الميسر الجاد، ما اشتد هذا الجدل، و ما سار في ذلك الطريق الذي سار فيه « .
و يرى أن المنهج السليم، لعرض العقيدة، و بيان طبيعتها، و إقرار حقيقتها كامن في طريقة القرآن العجيبة الفريدة، لأنه حين عالج قضية العقيدة لم يعرضها في أي شكل من الأشكال، و لم يعرضها عن طريق الجدل الذهني، و لا في صورة من صور اللاهوت، و لا في شكل نظرية من النظريات؛ بل عرضها » في صورة تكوين تنظيمي مباشر للحياة. ممثل في الجماعة المسلمة ذاتها. و كان نمو الجماعة المسلمة في تصورها الاعتقادي، و في سلوكها الواقعي وفق هذا التصور.. كان هذا النمو ذاته ممثلا تماما لنمو البناء العقيدي، و ترجمة حية له، و هذا هو منهج الإسلام الذي يمثل طبيعته كذلك « .


و هذا النص يعكس أمرين:
أحدهما: اعتراض سيد قطب الشديد على الجدل الكلامي، الذي زاوله علم التوحيد أو علم الكلام في منافحته عن العقيدة، أو في توضيحها.
و الآخر: إيضاح منهج القرآن في عرض العقيدة، التي يخوض بها معركة واقعية، إذ يخاطب فطرة الإنسان و وجدانه و فكره، جامعا بين الأدلة العقلية، و الإيحاءات المؤثرة التي تستجيب لها النفس.
و خلاصة رأيه في الطريقة المثلى في أخذ العقيدة و فهمها، أن يواجه الدارس القرآن بغير تصور ذهني سابق، و دون خلفيات ثقافية معينة، و ألا يحاكم النص الديني إلى تصورات عقلية أو شعورية، و ألا ينفي شيئا يثبته النص الديني، و لا يثبت شيئا ينفيه .

3- المرتكزات العقيدية :
و من أهم الموضوعات الأساسية التي تٌركّز عليها كتابات سيد قطب كلها، هي قضية الألوهية و العبودية، فتعريف الألوهية و العبودية، و بيان خصائصها من الربوبية و القوامة، و الحاكمية، هذا هو الموضوع الرئيس للقرآن كله. إضافة إلى حقيقة الغيب، و حقيقة الإنسان، و حقيقة الحياة، و حقيقة الكون .
و من المصطلحات التي أكثر من استعمالها في كتاباته: الألوهية، و الربوبية، و الحاكمية، و الجاهلية. و قد يظهر ذلك في تأليفه العديد من الكتب والأبحاث التي أوضح فيها هذه المصطلحات، ولكنه كان يركز على مصطلح الحاكمية كثيرا.
فكلمة الألوهية، عند سيد قطب، هي أولى خصائص التصور الإسلامي، و مصدر هذه الخصائص كذلك. فهي واسعة شاملة، لها خصائص و لها مظاهر، و لها مجالات. و من أولى خصائص الألوهية » حق الحاكمية المطلقة، الذي ينشأ عنه حق التشريع للعباد « . فأخص خصائص الألوهية عنده يتمثل إذن في التشريع للعباد.
أما القاعدة الأساسية التي يقوم عليها التصور الإسلامي الصحيح، في تصور سيد قطب، على مدار التاريخ البشري، هي قاعدة إفراد الله » بالألوهية و الربوبية و القوامة و السلطان و الحاكمية. إفراده بها اعتقادا في الضمير، و عبادة في الشعائر، و شريعة في واقع الحياة « .
و للألوهية عند سيد قطب مظهران: مظهر في حياة الناس، و مظهر في تدبير الكون. كما لها مجالان: الأول هو: الإحياء و الإماتة و التقدير و التدبير؛ و تسيير الكون و التحكم في نواميسه. و المجال الثاني: هو الحاكمية المطلقة، و القوامة و السلطان و التشريع للبشر، أي الربوبية على الناس.
و من هنا، فالربوبية عند سيد قطب، تعني الحاكمية، أي إفراد الله بالتشريع و القوامة و السلطان على الناس. فهي إذن، خاصة بالتشريع للبشر، و حكمهم بشريعته و إخضاعهم لها، أو بعبارة أخرى، خضوع العباد لربهم في الجانب الطوعي و الإرادي، و في الجانب القهري القدري من حياتهم .
و قد بيّن سيد قطب معنى هذه المصطلحات و مضمونها في عدة مواضع من الظلال، منها تلك الوقفة الطويلة، التي وقفها أمام إدعاء فرعون للألوهية، عند تفسيره لقوله تعالى:  وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ؟ قَالَ: سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ، وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ، وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ  .
من هذه الآية، يوضح معنى الألوهية التي كان يدعيها فرعون، حيث يناقش مفهوم الألوهية مناقشة دينية، مستعينا باللغة و التاريخ؛ فيرى أن إدعاء فرعون للألوهية لم يكن بمعنى أنه خالق الوجود و ما فيه من كائنات، و مدبر لشؤونه، أو مستحكم في الأسباب و الظواهر الكونية؛ و إنما كان بمعنى الحاكمية التي تعني حكم الشعب بإرادته و أمره، و بمقتضى ما استنه من شريعة و قانون. فالألوهية، عنده، بهذا المفهوم تلتقي مع الربوبية بمعناها اللغوي و الواقعي. فضلا على أن المعروف من تاريخ مصر الفرعونية يثبت أن الناس لم يكونوا يعبدون فرعون بمعنى تقديم الشعائر التعبدية له؛ بل كانت لهم آلهتهم التي يعبدونها، كما كانت لفرعون نفسه آلهة يعبدها، و هذا واضح من النص الديني: (و يذرك و آلهتك)؛ و إنما عبادتهم له كانت تأخذ معنى الاستعباد و الخضوع لأمره، و الاحتكام لشرعه، و هذا هو المعنى اللغوي و الواقعي و الاصطلاحي للعبادة، كما يقول سيد قطب .
و يستدل سيد قطب على هذا الفهم لمعنى الألوهية و الربوبية، بحديث الرسول الله –صلى الله عليه وسلم- الذي فسر به قوله تعالى في حق اليهود و النصارى  اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ، وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  ، عندما سمع منه عدي بن حاتم هذه الآية -و كان نصرانيا جاء ليسلم- فقال: » يا رسول الله ما عبدوهم. فقال له رسول الله –صلى الله عليه و سلم-: بلى إنهم أحلوا لهم الحرام و حرموا عليهم الحلال؛ فاتبعوهم؛ فذلك عبادتهم إياهم « .
و يواصل سيد قطب تحليله و شرحه لمعنى الألوهية، التي كان يدعيها فرعون، و يحاول أن يقرب إلى الأذهان، معناها الوارد في قوله تعالى:  مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي  ، فيرى أن معنى هذه الألوهية التي ادعاها فرعون هنا، يفسرها قوله الذي حكاه عنه القرآن، في سورة الزخرف:  أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي، أَفَلاَ تُبْصِرُونَ؟ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ، وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ؟ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ  .
فيستشف من هذه الآيات أن فرعون كان يوازن بين ما هو فيه من نعمة و جاه و سلطان، و بين ما فيه موسى –عليه السلام- من تجرد من الملك و الزينة التي يتحلى بها الملوك. و من ثم، فإن الألوهية التي ادعاها فرعون، لا تعني بأي حال من الأحوال، أنه هو الخالق، المدبر لشؤون الكون، القادر على كل شيء؛ بل تعني ادعاء الحاكمية و التشريع، و القوامة و السلطان، و الحاكم المسيطر على قومه يسيرهم كما يشاء، و هذه الأمور هي من خصائص الله. فمن ادّعاها فقد ادعى الألوهية و الربوبية. و هذا، في نظره، مظهر من مظاهر الشرك، و انحراف عن العقيدة السليمة .
و من قول يوسف –عليه السلام- الذي علل به بأن الحكم لا ينبغي أن يكون إلا لله وحده:  إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ  يوضح سيد قطب معنى العبادة انطلاقا من معناها اللغوي. فمعنى (عبد) في اللغة: دان، وخضع، وذل. و في الاصطلاح أداء الشعائر الدينية. و من ثم يرى أن الإنسان العربي كان فهمه ينصرف إلى المعنى اللغوي لهذا اللفظ، و حجته في ذلك أنه حين » نزل هذا النص أول مرة لم يكن شيء من الشعائر قد فرض حتى ينطلق اللفظ إليه« ، و حينها كانت العرب تدرك معنى العبادة على أنها الخضوع و الدينونة لله وحده » سواء تعلق هذا الأمر بشعيرة تعبدية، أو تعلق بتوجيه أخلاقي، أو تعلق بشريعة قانونية« .
و نعتقد أن سيد قطب أراد بهذا التوجيه لهذا النص الديني، أن يقرر أن اختصاص الله بالحكم يفضي إلى اختصاصه بالعبادة التي يتجلى مظهرها في سلوك الفرد، سواء في الجانب الشرعي الإرادي في حياته الخاصة، أو في الجانب القدري القسري في نظام الكون، و في حياة الكائن الحي على السواء.
و ما يوضح معنى الربوبية أكثر، قول يوسف –عليه السلام- لصاحب السجن الذي ظنه أنه ناج:  ...اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ...  ، فبين سيد قطب من خلال هذه الآية معنى هذا اللفظ، متكئا على المعنى اللغوي، و الفترة التاريخية، و هو ما يوضحه قوله: »... عند سيدك و حاكمك الذي تدين بشرعه و تخضع لحكمه. فهو بهذا ربك، فالرب هو السيد الحاكم و القاهر و المشرع .. و في هذا توكيد لمعنى الربوبية في الإصلاح الإسلامي، و مما يلاحظ أن ملوك الرعاة لم يكونوا يدعون الربوبية قولا كالفراعنة. و لم يكونوا ينتسبون إلى الإله أو الآلهة كالفراعنة. و لم يكن لهم من مظاهر الربوبية إلا الحاكمية و هي نص في معنى الربوبية « .
و واضح من هذا البيان لمعنى هذا المصطلح، أن صلة الألوهية بالربوبية عند سيد قطب، هي صلة الكل بالجزء، أو الأصل بالفرع؛ فالربوبية بهذا المعنى الذي ذهب إليه، هي إحدى خصائص الألوهية؛ لأن من مقتضيات الألوهية، عنده، الربوبية بالمعنى الذي رأيناه من قبل، و القوامة و الحاكمية.
و من منظور سيد قطب، أن كل قصص الرسل الوارد في سورتي الأعراف و هود بصفة خاصة، و القصص القرآني بصفة عامة، يعرض خط الحركة بالعقيدة الإسلامية على مدى التاريخ البشري، بصيغتين مختلفتين في اللفظ، متفقتين في المدلول، هما: » يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره«، و » ألا تعبدوا إلا الله. إنني لكم منه نذير مبين « .
و هذا المنهج المطرد في التعبير القرآني عن حقيقة التوحيد، له دلالته من غير شك، في تجلية هذه الحقيقة الكبرى، التي تستدعي كل هذا الإهتمام، لأنه في الواقع لو كانت الدعوة إلى الله هي مجرد دعوة إلى أداء الشعائر التعبدية، ما استحقت كل هذا الموكب الموصول من الرسل و الرسالات على مدار الزمان! إنما الذي استحق كل هذا الجهد المضني، في نظر سيد قطب، هو توحيد الألوهية، و الالتزام بالعمل بمقتضياتها، و خصائصها في كل جانب من جوانب الحياة، و في كل سلوك من سلوك الأفراد و المجتمعات .
و يتابع تحليله لمفهوم الألوهية التي لم تكن، في نظره، محل إنكار من المشركين؛ لأنهم كانوا يعترفون بأن الله هو المدبر للكون، و المتصرف في كل شيء. و لكنه اعتراف لم تكن تتبعه مقتضياته. لأن من مقتضى الألوهية و الربوبية التي تعني تفرد الله بالقوامة و السلطان و الهيمنة و الحاكمية.
و هو يثبت هذا الأمر، في نهاية تفسيره لسورة هود معلقا على قصص الرسل الذين دعوا كلهم إلى العقيدة السليمة، إذ يحدد معنى الألوهية بعبارات واضحة، منها هذا النص: » و ما كان الخلاف على مدار التاريخ بين الجاهلية و الإسلام، و لا كانت المعركة بين الحق و الطاغوت، على ألوهية الله –سبحانه- للكون؛ و تصريف أموره في عالم الأسباب و النواميس الكونية؛ إنما كان الخلاف و كانت المعركة على من يكون هو رب الناس، الذي يحكمهم بشرعه، و يصرفهم بأمره، و يدينهم بطاعته « .
فمهمة الرسل و الرسالات، عند سيد قطب، هي انتزاع حق الحاكمية من الأيدي البشرية في وضعها المتسلط على حياة الناس، و رده إلى صاحبه الشرعي. و إخراج الناس من عبادة العبيد و تحرير الإنسان من الإنسان، و تحرير الناس من الجماد و ردهم إلى عبادة الله وحده. فتلك هي الغاية التي أرسل الله من أجلها رسله، و علة ذلك، في نظره، أن حياة » البشرية لا تبلغ مستوى الكرامة الذي يريده الله للإنسان إلا أن يعزم البشر أن يدينوا لله وحده، و أن يخلعوا من رقابهم الدينونة لغير الله، ذلك النير المذل لكرامة الإنسان في أية صورة قد كان « .
و مما تقدم يتضح أن سيد قطب كان يركز على العقيدة كثيرا، و يتوسع في الحديث عن خصائصها و مقتضياتها، و يشير إلى حقائقها و قضاياها؛ و هذا الاهتمام بعرض موضوعات العقيدة و خصائصها، ربما يعود، إلى شعوره بأن الناس لم يدركوا بعد، حقيقة العقيدة و كنهها، على الرغم من كونها جوهر الدين، و موضوع القرآن الأساس، المكي منه و المدني على السواء.
و من هنا، عرّف سيد قطب انطلاقا من آيات العقيدة، و القصص القرآني حقيقة الألوهية و خصائصها، و ناقش قضاياها، و بين أهميتها و أثرها في حياة الفرد و المجتمع بكل جوانبها. و تجاوز في نظرته إلى العقيدة مرحلة الخلاف المذهبي و الكلامي، لأنه لم يواجهها بمقررات سابقة إطلاقا؛ بل اكتفى بأخذها من النص الديني الموثوق، و لم يأخذها من أي مصدر آخر.



4- مقاربة و نقد:
عالجنا فيما سبق، معنى الألوهية، و معنى الربوبية عند سيد قطب، و رأينا كيف قرّر حقيقتهما انسجاما مع التصور الإسلامي، من خلال آيات العقيدة، ومن خلال القصص القرآني، و نجد أنفسنا الآن أمام سؤال يثيرنا و هو: هل معنى الألوهية عند سيد قطب يوافق أم يخالف معناها عند سابقيه و معاصريه؟
و للإجابة عن هذا السؤال، يجب استعراض آراء غيره في هذا الشأن؛ فمعنى توحيد الألوهية عند ابن تيمية، هو عدم الشرك في الإلهية، أي ألا يجعل الإنسان لله » ندا في عبادته، أو محبته، أو خوفه، أو رجائه، أو إنابته « ؛ و هكذا يكون قد وضّح معنى توحيد الألوهية بنقيضها، إذ جعل التوحيد عكس الشرك.
أما توحيد الربوبية فقد عرّفها بصفاتها و ما تنطوي عليه من معاني القوة و القدرة. فمعنى الرب، عنده، هو المالك لكل شيء، و المدبر لشؤون الحياة، و نواميس الكون، و الرازق و المعطي بلا حساب » فمن شهد أن المعطي، أو المانع، أو الضار، أو النافع، أو المعز، أو المذل، غيره، فقد أشرك بربوبيته « .
و بهذا المعنى تكون الصلة بين الألوهية و الربوبية صلة تلازم، » فإثبات الإلهية يوجب إثبات الربوبية، و نفي الربوبية يوجب نفي الإلهية إذ الإلهية هي الغاية، و هي مستلزمة للبداية « .
و ينطلق ابن تيمية من مفهومه لمعنى الألوهية و الربوبية، فيقرر أن المشركين كانوا منكرين لتوحيد الألوهية، و مقرين بتوحيد الربوبية، و يستشهد على ذلك ببعض الآيات التي تومئ بأنه لم يعتقد أحد من مشركي العرب أن الأصنام هي التي تدبّر شؤون الكون، و ترزق العالم، و تحيي و تميت .
و إلى المفهوم نفسه قد ذهب شارح العقيدة الطحاوية، إذ تابع ابن تيمية في معنى توحيد الألوهية و الربوبية، و في إقراره بأن توحيد الإلهية يتضمن توحيد الربوبية. فكلاهما يرى أن توحيد الإلهية هو استحقاق الله للعبادة دون سواه، و أن توحيد الربوبية هو بيان أن الله قادر على كل شيء، و أنه خالق كل شيء .
و يتابع الشيخ محمد بن عبد الوهاب* –و هو من المحدثين- القدامى في معنى الألوهية و الربوبية، فتوحيد الإلهية عنده مبني على إخلاص التأله لله، من المحبة و الخوف و الرجاء و التوكل، و على إخلاص العبادات كلها لله وحده. أما توحيد الربوبية فإنه مبني على الإقرار بأن الله رب كل شيء، و أنه الخالق الرازق، و المحيي المميت، النافع الضار. و في نظره، أن التوحيد الذي جحده المشركون هو توحيد العبادة، مع اعترافهم بتوحيد الربوبية .
أما أبو الأعلى المودودي –هو من المعاصرين- فقد استعان على توضيح معنى الألوهية بالنصوص الدينية، و بالاشتقاق اللغوي لمادة » أله «، حيث انتهى إلى »أن التصورات التي أطلقت من أجلها كلمة » الإله « على المعبود هي: قضاء الحاجة، و الإجارة، و التهدئة، و التعالي، و الهيمنة، و تملك القوى التي يرجى أن يكون المعبود بها قاضيا للحاجات مجيرا في النوازل، و أن يكون متواريا عن الأنظار، يكاد يكون سرا من الأسرار لا يدركه الناس، و أن يفزع إليه الإنسان و يولع به « .
و يحدد أيضا معنى الربوبية انطلاقا من المعنى اللغوي لكلمة » الرب « التي تعني: المربي الكفيل، و السيد و الرئيس المطاع، و صاحب السلطة النافذ الحكم، والمالك لصلاحيات التصرف؛ و من بعض الآيات التي تصف » الرب بأنه الحاكم المطلق لهذا الكون و مالكه و آمره الوحيد لا شريك له « .
و بعدما تحدث المودودي عن معاني الألوهية و الربوبية و مضمونهما، من حيث اللغة و الاصطلاح، انتهى إلى خلاصة مفادها أن العرب المشركين » لم يكونوا قائلين بوجود الله تعالى فحسب، بل كانوا يعتقدون مع ذلك خالق هذا الكون كل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://heddadji.kalamfikalam.com
 
أغراض القصص القرآني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
HEDDADJI MOHAMMED BOUHALLOU :: الفئة الأولى :: مذكرات للتخرج-
انتقل الى: